يشرد ذهنه وهو يخطو خطوات وئيدة, يتعثر في تجاعيد الارض وأشعة الشمس العمودية تحرق وجهه, يستلقي في ظل شجرة النخيل, يختنق, ينأي بعيدا, يمد إليها يديه النحيلتين هي تدنو منه في استحياء تداعب عيناه عينيها الساحرتين. يقبض بيديه علي يديها الرقيقتين, يحلقان في السماء تقول له: قلبي ينبض بعشقك, حين رحل التمساح عبرت النهر للوصول إليك. يستيقظ من غفوته علي صياح الصبية وهم يستغيثون: التمساح يخرج من النهر ويزحف صوب الديار, وهو يجري وسط ضجيج الرجال الحاملين فئوسا اكلها الصدأ والنسوة يصرخن صاراخا يرج القرية بعد ان اغلقن الابواب علي اطفالهن, ينتشر الرجال في الأرض الجرداء, يقتربون من الجرف, تؤلمه عيونهم الحمراء الكاشفة علي سهرهم الطويل, تزكم انوفهم رائحة كريهة تنبعث من اكوام القمامة علي الجرف, يقفز التمساح في مياه النهر العكرة, ويروح ويجيء علي سطح المياه وكأنه يقوم بعمل مناورات تغرس الرعب في قلوب الرجال, وهو يقف وحيدا علي الجرف, يمور الغضب في صدره وهو ينظر في حسرة إلي الرجال العائدين إلي ديارهم والحالمين بليلة حمراء يذوبون فيها في اجساد الراقصات علي انغام المزمار البلدي, يسري بكاء الفتاة في شرايينه, يدفعه اضطراب اوصاله إلي البحث عن قارب يعبر به النهر إليها, جلس علي الأرض حزينا واضعا رأسه بين كفيه امام القوارب الغريقة في المياه, يمزقه سوس خرقها, لم تمرق منها إلا مقدماتها العالية, تسيل الدموع علي خديه, يتذكر ما قاله امام المسجد: حين نزلت النهر لأتوضأ لصلاة العشاء سمعت اصواتا صادرة من القوارب تشبه انات المرضي. يشتد بكاء الفتاة فتتوتر اعصابه واتغلي دماؤه يسترجع حكاية ابيها, يهبط ابوها من حصانه علي شاطئ النهر يردد حكايات الهلالي سلامة مقلدا شاعر الربابة, كان يعلق بندقيته في كتفه الأيمن, حين نزل النهر هجم عليه التمساح ولف ذيله الطويل حوله, غاص به في اعماق النهر, في الظلام عاد الحصان إلي البيت وعيناه تترقرقان بالدموع, صرخت الفتاة صرخة عالية وانفجرت في بكاء حار, اعتادت ان تذهب إلي النهر تنادي اباها علي الشاطئ. وهو يلملم قواه المشتتة يلقي بنفسه في مياه النهر يجتاح القلق الفتاة علي الشاطئ الآخر, تتمني وصوله قبل ان يرتد طرفها, فهو البطل القادم من زمن سحيق, تنعم في حضنه الرطب علي الرمال, حين يصل إلي منتصف النهر تثير عاصفة هوجاء قادمة من الشمال الامواج, فجأة يبتلعه التمساح وبكاؤها لن ينقطع. محمود خضيري يس قنا