هل تتخلي المطاحن عن ريادتها كأحد القطاعات الاستثمارية الآمنة التي يبحث عنها المستثمر بعد حالة عدم التوازن التي مر بها القطاع مؤخرا لعوامل خارجية وداخلية.. أم أن ما حدث بفعل الأزمة العالمية حادث عارض سرعان ما سيتم تجاوزه خاصة أنه لا يتخيل أحد أن القطاع الدفاعي والملاذ الآمن وقت الأزمات قد يفقد عرشه؟. يبدو أن حالة عدم الاستقرار هذه ستستغرق وقتا طويلا في ظل التقلبات التي مر بها القطاع خلال الفترة الماضية، وهو ما قد يدفع المستثمرين لتوجيه استثماراتهم إلي مجال آخر أكثر أمانا.. في الوقت الذي شكك خبراء ومحللون في تحقيق القطاع لطفرات في الأرباح، وإن حدث لن يزيد علي 5 10% بحسب توقعهم. مر القطاع بمرحلتين ما قبل الأزمة وما بعدها، الأولي شهد خلالها نشاطا غير مسبوق نتيجة ارتفاع أسعار الغذاء عالميا بسبب التوجه العالمي إلي الحبوب باعتبارها أحد المصادر البديلة للطاقة، والثانية تلقي خلالها ضربات موجعة بفعل حالة الركود التي سيطرت علي الاقتصاد العالمي، والتي قلبت الموازين رأسا علي عقب، ووضعت المطاحن في موقف لا تحسد عليه، في ظل استيراد أطنان القمح بأسعار مرتفعة باعتبارنا أكبر المستوردين للقمح، وقيام هذه الشركات بتخزين الكميات المستوردة، خوفا من ارتفاعات جديدة، إلا أن حدوث الأزمة حال دون ذلك، لتضطر الشركات لبيع المخزون بأقل من تكلفته، لتتأثر هذه الشركات في مركزها المالي. بصورة عامة قطاع المطاحن يعد أحد القطاعات الحيوية بالنسبة للسوق المحلي، وذلك لما تتمتع به الصناعة من أهمية خاصة بالنسبة للمستهلكين حيث يعد الدقيق والقمح وصناعتهما "الخبز المدعم" من أهم الصناعات الاستراتيجية. أداء الشركات وربما يجسد واقع القطاع وضع الشركات السبع المدرجة ببورصة الأوراق المالية، ومدي تداعيات الأزمة علي ربحيتها ومركزها المالي، والمراقب لتحركات هذه الشركات يجد أن معظمها سجلت تراجعا في الأرباح خلال العام المالي 2008/ ،2009 متأثرة بعدة عوامل منها تأثير الأزمة المالية العالمية علي الأسعار وتذبذب الأسعار والركود الاقتصادي والمنافسة الشديدة التي خلفتها الأزمة وظهر ذلك جليا خلال فترة تفاقم الأزمة في الربع الأخير من 2008 وحتي نهاية الربع الأول من ،2009 دفع كل ذلك مبيعات شركات المطاحن إلي الانخفاض واتجهت نسبة تكلفة المبيعات إلي المبيعات إلي الارتفاع بسبب انخفاض أسعار بيع مع ثبات التكلفة. وبنظرة سريعة لبعض هذه الشركات يلاحظ أن شركة مطاحن ومخابز جنوبالقاهرة والجيزة قد حققت تراجعا بنسبة 65% أكبر نسبة تراجع في شركات المطاحن في أرباحها السنوية لعام 2008/ 2009 لتحقق 10 ملايين جنيه مقارنة ب 28،8 مليون في العام المالي السابق عليه لتراجع المبيعات بمعدل 23% لتبلغ 304،8 مليون جم مقارنة ب 396 مليوناً خلال العام الماضي بالإضافة إلي زيادة نسبة تكلفة المبيعات إلي المبيعات لتمثل 90% عام 2008/ 2009 مقارنة ب 87% لعام 2007/ 2008 بنمو 3% وأيضا نمو المصروفات العمومية للشركة بمعدل 13%، ونفس الأمر بالنسبة لمطاحن ومخابز الإسكندرية التي سجلت تراجعا بمعدل 5.36% لنفس الأسباب سواء لتراجع المبيعات، أو ارتفاع التكلفة وكذلك باقي الشركات الأخري. عوامل خارجية وداخلية "عوامل داخلية وخارجية كان لها الأثر الأكبر علي أداء شركات المطاحن".. بهذا بدأ عباس عثمان عضو مجلس إدارة شركة مطاحن شرق الدلتا شارحا أسباب التراجع في أرباح شركات المطاحن.. فالإجراءات التي تم اتخاذها بشأن المناقصات فيما يتعلق بالخبز المدعم 82% بتقديم أفضل سعر للطحن والتي حصلت بعض الشركات ساهمت في تراجع حصة القدرة الطاحنة للشركات العاملة، حيث لم تعد الشركات تحصل علي نسب من حصصها المقررة، وأنما صار الأمر متروكا للمنافسة، والشركات التي تقدم أفضل الأسعار للطحن. وتابع أن "أسعار الطاقة والخامات المساعدة شهدت ارتفاعات عالية غير متوقعة، علي آثرها ارتفعت التكلفة الإنتاجية، بالإضافة إلي ارتفاع الأجور والعلاوات الدورية، وكذلك انخفاض مبيعات النخالة وكلها عوامل أثرت علي الإيرادات بطريقة مباشرة". ليس هذا فحسب وإنما أيضا خسائر الأنشطة الخدمية كما قال والخاصة بصناعة الخبز، علي اعتبار أن هذه الصناعة مدعمة، ومنها المكرونة، والنواشف، وبالتالي فإن الإنتاج لابد أن يكون بسعر مدعم، رغم التكلفة العالية للإنتاج، نظرا للبعد الاجتماعي. وهذا لا يعني أن القطاع لن يشهد حالة نمو خلال الفترة القادمة، بل إن استعادته لعرشه وريادته لباقي القطاعات أمر حتمي حتي لو كانت معدلات النمو ضعيفة بحسب تعبيره.