لا شيء يمارس الآن في الضفة الغربية وقطاع غزة، سوي الفعل ورد الفعل بين قطبي الصراع فتح وحماس، هناك حالة اختقان داخلي وغضب داخل حركة فتح علي ما تفعله حماس في القطاع ضدها، وهناك حالة استفزاز متبادلة فد تؤدي إلي تحول حالة الغضب والاحتقان إلي ممارسات فوضوية وإرهابية إلي حد بعيد. في قطاع غزة مازال المشهد السياسي عالقا بين اقتحام البيوت ومراكز ومؤسسات وجامعات، ومصادرة أجهزة حاسوب ومقتنيات شخصية اعتقال وتعذيب من مجموعات عسكرية تابعة لكتائب عزالدين القسام، وكل ذلك ضد عناصر حركة فتح، أما المشهد في الضفة فهو لا يختلف كثيرا في مقاصده الثأرية، اقتحام البيوت والاعتقالات العشوائية، والتعذيب وإقامة النقاط العسكرية في الشوارع لتتولي وقف السيارات والتدقيق في بطاقات ركابها. هذا هو حال شطري الوطن المنقسمين، حالة بلا شك تثير القلق والمخاوف من نشوء نظام أمني عسكري مع مرور الوقت يحاكي الحكم العسكري الإسرائيلي الذي انتهك حقوق الإنسان الفلسطيني بصورة منهجية. إن حركة حماس، وأمام ما ارتكبته في القطاع بفعل منهج القوة الذي استندت عليه وأخذت به في العلاقة الداخلية، باتت تخشي ردة الفعل لمجتمع محكوم بثقافة الثأر إذا ما أصابها الضعف أو قوي خصومها. وبالعودة إلي الوراء فإننا نلحظ بوضوح أن كل من كان له ثأر لدي المقاومة الفلسطينية آبان الانتفاضة الأولي، حاول النيل ممن قتل أحد أبنائه أو أقرباءه في الوقت الذي اختلط فيه الحابل بالنابل وعمت الفوضي، وأصبح القتل مجانيا ويحدث لمجرد الاشتباه، لذا فإن ثقافة الثأر مازالت حاضرة في تقاليد الفلسطينيين، حتي وإن تجاوز حدودها الزمن، وحلت مكانها قوة القانون. وللأسف الشديد، فإن انتهاكات حقوق الإنسان التي عاني منها المجتمع الفلسطيني طويلا من قبل الاحتلال، وتنفس الصعداء لمجرد خروجه باتفاق أوسلو 1993 عادت لتطفو علي السطح بعد تأسيس السلطة الفلسطينية عام 1994، لكنها أخذت منحني جديدا بعد سيطرة حماس علي السلطة في قطاع غزة بالقوة المسلحة في يونيو 2007 إذ شهدت عملية الحسم العسكري كما تسميها "حماس"، أو الانقلاب العسكري كما تطلق عليها "فتح" انتهاكات بشعة، بينها إعدامات خارج القانون من مجموعات عسكرية تابعة لحماس مثل إعدام سميح المدهون وهي العملية التي بثتها حماس بفخر عبر محطتها الفضائية "الأقصي"، وغيرها من حالات وثقتها مؤسسة حقوقية ذات مصداقية مهنية عالية مثل "هيومن رايتس وولشن" وغيرها. وكان من الطبيعي أن ترد مراكز ومجموعات عسكرية من فتح والسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية علي ما تعرضت إليه الحركة في قطاع غزة، بأعمال ثأرية تضمنت انتهاكات فاضحة لحقوق الإنسان، مثل خطف أشخاص، واقتحام مؤسسات واعتقالات وتعذيب. لقد شهدت الانتهاكات، والانتهاكات المضادة تحولا نوعيا ملحوظا عقب الانفجار الذي نفذ في شاطئ غزة في نهاية الشهر الماضي، إذ شنت حماس حملة اعتقالات واسعة في صفوف أعضاء وانصار قادة فتح سياسيين منهم، وتنظيميين، ترافقت مع اقتحام مؤسسات مدنية ومصادرة محتوياتها من أثاث وأجهزة حاسوب وغيرها، وتوجت حملة حماس علي فتح باجتياح عسكري لتجمع سكني تقطنه عائلة تضم مسلحين تابعين لفتح أسفر عن مقتل "شخصا، وإصابة أكثر من 90 بجروح، واعتقال عدد آخر، وتضمنت الحملة علي العائلة المذكورة "عائلة حلس" اقتحام بيوت وقلب محتوياتها، ووثقت مؤسسات حقوق الإنسان شهادات عن أعمال سرقة أموال خلال تلك الانتخابات، وهو ما تعهدت حكومة حماس بالتحقيق فيه. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ ردت السلطة الفلسطينية التي تقودها فتح في الضفة الغربية علي أعمال حماس بأعمال ثأرية، رأي فيها الكثيرون انتهاكا خطيرا لحقوق الإنسان، إذ يشير الخبراء في استطلاعات الرأي العام إلي إن الإجراءات التي اتخذتها السلطة في الضفة الغربية ردا علي إجراءات حماس في قطاع غزة، أثرت بشكل سلبي علي مكانة "فتح" في أوساط الرأي العام الفلسطيني، وأظهرت الاستطلاعات أن نحو 40% من الفلسطينيين يصفون أنفسهم بالمستقلين، لكن هذه الفئة بدأت تميل لتأييد حركة حماس أخيرا بسبب فشل المفاوضات وحدوث انتهاكات عديدة. بلا شك فإن هناك أصواتا شريفة بدأت تعلو لا يمكنها قبول ممارسة السلطة التعسفية في الضفة الغربية ردا علي انتهاكات حماس في قطاع غزة، وترفض اعتقال أي فلسطيني لانتمائه السياسي مهما كان الانتماء، فالنجاح في الامتحان يكمن في تقديم النموذج الآخر، الذي يحترم الآخر، ويدافع عن حقه في قول رأيه والتعبير عن مواقفه، والصورة الأخري التي يطالب بها هؤلاء هي التي يجب أن تقدم صورة حرية الرأي حتي لمن ينتمون لحماس، ولكل الأحزاب والقوي وبجميع أشكال الحرية، وحرية المسيرات والتظاهرات والتعبير عن الرأي دون خوف من عقاب، هذا هو الوطن الذي تريده جميع الفصائل الفلسطينية، وهو جزء من مشروعها الوطني وطبيعة ثابتة في برنامجها وهذه هي الدولة التي لابد أن ينشد جموع الفلسطينيين بعيدا عن ثقافة الثأر التي تهدم ولا تبني، تقتل ولا يشبعها القتل، وفي النهاية فإن ثقافة الثأر هذه لا تخدم سوي الاحتلال وتصب في مصلحته في النهاية وتبعد القضية عن أصحابها أكثر مما ابتعدت!!