تتعرض روسيا لعقوبات تجارية شديدة من الولاياتالمتحدة والاتحاد الأوروبى على خلفية الأزمة الأوكرانية منذ عام 2014، وكثيرون يتذكرون العقوبات الأمريكية على روسيا وينسون أو يتناسون أن روسيا لا تعامل الولاياتالمتحدة بالمثل من خلال فرض عقوبات على الولاياتالمتحدة. كما هو معروف تعتبر روسيا أغنى دولة فى العالم من حيث الموارد الطبيعية واحتياطى النفط والغاز والمعادن النادرة اللازمة للصناعات الدقيقة والعسكرية، فروسيا من أغنى دول العالم بالماس والذهب والبلاتين والنيكل، ومن أولى دول العالم فى إنتاج النفط والغاز باحتياطيات قد تكفى لأكثر من 160 عاماً من الغاز، ومن 50 إلى 60 عاما للنفط، وفى اعتقاد الخبراء هذا يعتبر تقييما متواضعا لاحتياطات روسيا من النفط والغاز، من هذا المنطلق تعتبر روسيا من كبريات الدول المصدرة للنفط والغاز فى العالم، حيث يعتبر دخل روسيا من هذه الخامات أحد مصادر الدخل الرئيسة للميزانية الروسية لتحقيق رفاهية الشعب الروسى. ويعتبر النفط والغاز الروسيين، من أكثر المواد الخام التى تصدرها روسيا إلى مختلف دول العالم، فهى تصدر النفط والغاز إلى دول شرق ووسط أوروبا وتركيا والصين، لكن جزء من النفط الروسى يصدر كذلك إلى الولاياتالمتحدةالأمريكية أيضاً رغم اكتفاء منافس روسيا من النفط فى الخمس سنوات الأخيرة. وتصدر روسيا كذلك للولايات المتحدة أسمدة معدنية. تشترى الولاياتالمتحدة من روسيا “معدن مهم” مثل منتجات وسبائك الالومنيوم، التى تدخل فى العديد من الصناعات وعلى رأسها صناعة الطائرات والصواريخ، ويعتبر الخبراء، أن صناعة الأولمنيوم تتطلب بنية تحتية خاصة، ومصادر طاقة كهربائية جبارة، وروسيا تمتلك هذه التقنية ومصادر الطاقة خاصة الكهربائية. بدأت صناعة الألومنيوم المتطورة فى فترة التصنيع الستالينية، فعندما أراد الزعيم السوفيتى جوزيف ستالين فى فترة الحرب العالمية الثانية ألومنيوم أصدر أمراً لجميع العاملين فى مجال الجيولوجيا وعلوم الأرض فى الاتحاد السوفيتى السابق باستخراج الأولمنيوم بأى شكل وبأى كميات، لأنه كان يريده لصناعة الطائرات فى فترة الحرب العالمية الثانية، فقد كان يعد نفسه لحرب طويلة مع الفاشية الهتلرية، وبناء عليه أصبح الاتحاد السوفيتى السابق يحتل المرتبة الأولى فى إنتاج الألومنيوم فى العالم. ورغم أن الولاياتالمتحدة تعد أكبر اقتصاد فى العالم، وواحدة من أكثر الدول تقدماً فى العالم، إلى أنها تشترى العديد من المكونات التقنية من الخارج ومن روسيا على وجه الخصوص، فعلى سبيل المثال هى تشترى محركات صواريخ وبعض قطع غيار الطائرات البوينج من روسيا، لكن المسئولين فى واشنطن يفضلون عدم الحديث عن هذا، وفى الواقع فإن الصواريخ الأمريكية تعمل بمحركات روسية. بعد انهيار الاتحاد السوفيتى، وتحسن العلاقات الأمريكية الروسية، قام الخبراء الأمريكيون بالتعرف على صناعة منتجات مصنع “إنرجو ماش” الروسى لإنتاج محركات الصواريخ. اقتنع الخبراء الأمريكيون بتفوق محركات الصواريخ الروسية على نظيرتها الأمريكية، وكان التفوق فى كل شىء تقريباً سواء من حيث القوة أو المتانة والأهم من حيث السعر. فعلى سبيل المثال كانت المحركات الأمريكية غالية الثمن بفارق كبير عن الروسية، بالإضافة إلى أنها من الناحية التقنية أقل من الروسية، وعندما شاهد الأمريكيون مزايا الصواريخ الروسية أصروا على شرائها واستخدامها فى صواريخ الفضاء الأمريكية. أول تعاقد على شراء الصواريخ الروسية تم توقيعه عام 1997، وتم بمقتضاه شراء 18 محركا صاروخيا، وبلغ إجمالى ما اشترته الولاياتالمتحدة منذ نهاية عام 1990، 84 محركا صاروخيا من طراز آر دى 181، استخدم 64 منها فى صواريخ صعدت للفضاء. الآن ورغم تدهور العلاقات بين روسياوالولاياتالمتحدة على خلفية الأزمة الأوكرانية، لم تجد الولاياتالمتحدة غضاضة فى استمرار شراء المحركات الصاروخية الروسية ولم تتوقف عن هذا فوراً، على الأقل بسبب فرضها عقوبات على روسيا، بل استمرت، فخلال الفترة 2019 2020، كان يجب على الولاياتالمتحدة الحصول على 20 محركا صاروخيا، رغم أن واشنطن تسعى الآن لإنتاج صواريخ مماثلة من إنتاجها، حيث أعلن الجنرال جون رايموند قائد القوات الفضائية الأمريكية، أن الولاياتالمتحدة مع حلول عام 2022، سوف تستغنى عن محركات الصواريخ الروسية، وستستخدم محركات من إنتاجها، لكن يظل هذا الحديث مجرد خطط طموحة حتى الآن، فليس هناك ما يؤكد تصريج الجنرال الأمريكى. بالإضافة لمحركات الصواريخ، تستورد الولاياتالمتحدة بعض المكملات وقطع الغيار لطائرات الركاب البوينج من مصانع روسية مثل “جيدرو ماش” و”إيركوت” ” وأفسيم”، وكما فى حالة محركات الصواريح، لا تتحدث وسائل الإعلام الأمريكية عن أن الولاياتالمتحدة القوة الجبارة تشترى من روسيا محركات صواريخ وقطع غيار لطائرات بوينج التى تجوب العالم ليل نهار. تشترى الولاياتالمتحدة الدولة الرائدة فى صناعة السيارات كاوتش سيارات بما قيمته 1,5 مليار دولار من روسيا، يأتى هذا فى الوقت الذى يمتعض فيه بعض المواطنين الروس من عدم تطور بلادهم تقنياً، ويتهمون صناعتهم بعدم مواكبة العصر، والواقع غير ذلك فقد، فقد وضع السوفيت أسس صناعة متطورة تكنولوجيا فى البلاد. نعم لا تستطيع روسيا أن تكون منافسة للولايات المتحدة أو كوريا الجنوبية أو اليابان أو حتى الصين فى إنتاج التليفونات المحمولة أو أجهزة الحاسوب، لكنها ناجحة جداً فى إنتاج معدات خاصة تستخدم فى الصناعة والأبحاث العلمية والطب. فعلى سبيل المثال تنتج روسيا أجهزة بصريات تشتريها معظم دول العالم بما فيها الولاياتالمتحدة. من المنتجات المهمة التى تصدرها روسيا للولايات المتحدة، الكحوليات، حيث تعتبر الفودكا الروسية منتجا لا يتفوق عليه أى مشروب كحولى فى العالم ورغم أن الكثير من دول العالم تنتج الفودكا، إلا أن الأمريكيين يفضلون الفودكا الروسية، ويقول الخبراء إن المواد الغذائية فى روسيا تتفوق على نظيرتها الأمريكية، نظراً لأن الأخيرة تستخدم المواد المخلقة من الهندسة الوراثية وتستخدم الطعوم الكيميائية المنشأ، وتصدر روسيا كذلك منتجات الأسماك المعلبة، وغيرها من المنتجات التى اشتهرت بها روسيا. فى الفترة الأخيرة، وعلى خلفية العديد من القضايا العالقة بين البلدين وتدهور العلاقات بينهما، طفى على السطح سؤال مهم يمس الاقتصاد الروسى بالدرجة الأولى فيما يتعلق بالتصدير الروسى للولايات المتحدة، خاصة أن الولاياتالمتحدة هى التى فرضت عقوبات على روسيا وحظرت تصدير العديد من السلع والتقنيات التى تحتاجها روسيا، ومن الممكن اعتبار أن العلاقات التجارية بين البلدين تعتمد على تصفية الأجواء السياسية بينهما، فعالم اليوم متشابك بحيث من الصعب توقف الاستيراد أو التصدير بين الدول تحت أى ظرف. ورغم ذلك فإن روسيا فى الوقت الذى تعانى فيه من العقوبات الأمريكية والأوروبية لا تستطيع أن تعاملهما بنفس الطريقة لأسباب ذاتية تتعلق بظروف روسيا الاقتصادية، وأذكر ذات مرة عندما دعى أحد السياسيين الروس إلى التوقف عن تصدير محركات الصواريخ للولايات المتحدة، أغلقوا له فمه على الفور قائلين ومن أين سندفع رواتب العاملين، فى إشارة إلى أن الولاياتالمتحدة فقط هى التى تستورد هذه المحركات، وفيما يتعلق بالاتحاد الأوروبى لا تستطيع روسيا منع النفط أو الغاز عنه نظراً لأن جزءا كبيرا من موازنتها يعتمد على تصدير النفط والغاز ومن ثم فإن روسيا مغلولة الأيدى فيما يتعلق بالرد على العقوبات الأمريكية أو الأوروبية. لكن الخبراء الصينيون قدموا لروسيا وصفة للرد على الولاياتالمتحدة، بحيث تقوم روسيا بشكل مفاجئ بوقف التصدير للولايات المتحدة، مما سيضع الشركات الأمريكية فى موقف حرج أمام مستهلكى منتجاتها، خاصة أن معظم الشركات الأمريكية لها ممثليات فى موسكو، لكن روسيا دائماً تقول هل من مزيد من العقوبات، لأنها كما تقول تساعد المجتمع والصناعات الروسية على الإنتاج والإبداع، وأعطت روسيا حصانة ضد الإنهيارات الاقتصادية، على أى حال الأمور ليست مظلمة لهذه الدرجة، ففى العام الماضى تحدث الرئيس بوتين عن زيادة فى الميزان التجارى مع واشنطن قيمتها 5 مليارات دولار واعتبر هذا مؤشرا جيدا. فى الوقت الراهن ظهرت مشكلة جديدة قد تؤدى إلى ظهور عقبة جديدة فى طريق تحسن العلاقات بين موسكووواشنطن وهى انتهاء اتفاقية الحد من الصواريخ النووية الهجومية بعيدة المدى أو ما يطلق عليها رمزاً ستارت، الولاياتالمتحدة أعربت عن استعدادها لمناقشة مسألة تمديد الاتفاقية، لكن مع كل من روسياوالصين، لكن الصين ترفض الجلوس على مائدة مفاوضات مع الولاياتالمتحدة لبحث موضوع شائك كهذا. عموماً الأيام هى الحكم.