اخشي أن تكون المصالحة قد انضمت إلي المصطلحات سيئة السمعة.. وأن تكون قد لحقتها لعنة إعلام الكراهية وطاردتها خطابات الفتنة.. فأصبحت طريدة مطاردة.. شريدة مشردة.. غريبة في مجتمع غرباء لم يعد يعرف السماح ولا السماحة.. ولم يعد أهله قادرين علي طلب السماح لأنهم ببساطة لا يراد لهم ولم يعودوا مؤهلين والقاعدة تقول فاقد الشيء لا يعطيه.. البعض توقف مندهشا أمام ما جري ويجري في أسوان.. والكل يضرب الأخماس في الأسداس.. ليست هذه أسوان وليس هؤلاء هم أهل النوبة.. وتساءل الجميع في عجب أين طيبة أهل الجنوب وأين ذهبت سماحتهم وحكمتهم وطول صبرهم؟!! ولماذا أصبح صدر الجميع ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء؟!! أشياء كثيرة جعلت العقول تتوه وتفكر في كل الاحتمالات وتستدعي إلي الذهن كل وقائع وأمثلة اللامعقول من الحاضر والتاريخ.. هل هي بداية شرارة لحروب القبائل العربية ويحاول البعض ايقاظها في الجنوب لتدخل علي خطوط النوبة وقضايا أهل النوبة والعبث بها..؟ خاصة وأفريقيا تحيي ذكري أليمة في رواندا علي أطراف منابع النيل.. المذابح البشعة بين قبيلتي التوتسي والهوتي والتي راح ضحيتها قرابة المليون قتيل.. هل هي محاولة للعبث بالحدود الجنوبية بمصر من الناحية الغربية.. ليكتمل اشتعال النار أو القلق والتوتر علي طول الحدود الجنوبية.. خاصة مع الرغبة العارمة في التصعيد شرقا في حلايب وشلاتين.. !! هل ترغب قوي الشر في إنتاج ¢داحس والغبراء¢ من جديد علي أرض مصر.. وتجد لها وقودا مناسبا في فتنة القبائل وما أكثرها في الصعيد خاصة؟!! هل ترغب قوي الشر في ايجاد تحالفات جديدة لانهاك الأمن المنهك أصلا وبعثرة جهود الجيش شمالا وجنوبا حتي ينفرط العقد ويتسع الخرق علي الراقع شيئا فشيئا ويوما بعد يوم.. وتزداد مساحة الغضب وتتسع حتي يصل الشعب إلي مرحلة الانفجار.. هل ترغب قوي الشر في استمرار العزف علي أوتار رفض المصالحة في كل القضايا وعدم التوصل إلي حلول أو تهدئة فتظل الساحة ملتهبة ومشتعلة دائما فيجدون التربة الخصبة دائما لتحقيق أغراضهم الخبيثة وتظل مصر محرومة من الأمن والأمان ويظل اقتصادها جثة هامدة ولا يستطيع أهلها حراكا عندما يرغبون في البحث عن مخرج مما هم فيه؟؟!! هل ترغب قوي الشر في أن يظل حلم المصالحة الوطنية سرابا أو أملا بعيد المنال علي أرض مصر الطيبة؟!! ينسي هؤلاء وأولئك أن الصلح والمصالحة هو النتيجة الطبيعية والنهاية المنطقية لكل صراع ونزاع مهما كانت القوة والغلبة لأي طرف ومهما طالت أو قصرت جولات المواجهة.. ومهما بلغت قسوة الهزيمة ومرارات الذل والانتقام ومهما تصاعدت الخطط الشيطانية واحكمت الوسائل الجهنمية بالليل والنهار.. فلابد من الصلح وإن طال السفر.. ** الرافضون للصلح والكارهون للمصالحة ندعوهم إلي تذكر أن الصلح كان أول ركيزة وأهم قاعدة في بناء الدولة في الإسلام.. وهو ما سارع الرسول صلي الله عليه وسلم إليه وإلي اقراره بمجرد أن وطأت قدماه الشريفتان أرض المدينةالمنورة في الهجرة.. فقد انتقل إلي المدينة ليضيف إلي قوة الحق حق القوة. لذلك بني مجتمعاً قوياً. أساس هذا البناء المساواة. وإزالة فساد ذات البين والتكافل.. بين أبناء الدين الواحد بين شركاء الوطن الواحد.. مهما اختلفت عقائدهم وألوانهم.. وبلغت منزلة الصلح مكانة عالية حتي اعتبره بعض العلماء أنه يمثل فريضة من فرائض الإسلام لما فيه من صلاح النفوس وتأليف القلوب وأن الإصلاح جاء في كتاب الله مأموراً به ودليلا علي كمال الإيمان.. ألم يؤاخ صلي الله عليه وسلم بين الأوس والخزرج.. ألم يفعل ما فعل بين المهاجرين والأنصار.. للكارهين للصلح والمحرضين علي رفضه أو التلاعب به نسوق إليهم ما انتهي إليه علماء الأمة وأئمتها في هذا الصدد.. ** إن حاجة المسلمين إلي الصلح أسبق من حاجتهم إلي وفرة الطعام والشراب ففيه تآلف القلوب ويسود الحب والمودة وتذهب الشحناء والبغضاء.. ** إن القيام بالصلح والإصلاح بين الناس واجب شرعاً لمن يملك القدرة علي ذلك خاصة وُلاَة الأمر.. ** إن الصلح مشروع بالكتاب والسنة والإجماع. يقول الله تعالي: "لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس" "النساء114" وقوله تعالي: "والصلح خير" "النساء128". فالله تعالي وصف الصلح بالخيرية. ولا يوصف بها إلا ما كان مشروعا ومأذونا فيه. وقد وردت صيغة "صلح" بكافة صيغها ومشتقاتها "169" مرة في القرآن الكريم.. وأكثر صيغ "صلح" أتت بصيغة جمع مؤنث "الصالحات" وردت "62" مرة. وأتت متلازمةً للأيمان "الذين آمنوا وعملوا الصالحات" في القرآن الكريم "53" مرة. ووردت"الصالحات"منفردةً "9" مرات. كقوله تعالي: ¢بَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتي تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةي رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجى مُطَهَّرَةى وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ¢. وقوله تعالي: ¢وَالْعَصْرِ . إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْري . إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ¢ وهكذا. ووردت صيغة "الصالحات" بدون "الذين آمنوا" كما في قوله تعالي: ¢الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرى عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرى أملا¢. ووردت "صلح" بصيغة "صالحاً". "30" مرة. كما يقول سبحانه وتعالي: ¢مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَري أَوْ أُنْثَي وَهُوَ مُؤْمِنى فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ¢. وكقوله سبحانه وتعالي: ¢مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ¢. وورد "صلح" بصيغة "الصالحين" "23" مرة بالياء. ووردت بالواو "الصالحون" "3" مرات. ووردت "صلح" بصيغة "صالح" مفردا. ولكن لا كاسم نبي. حيث وردت "3" مرات. كقوله سبحانه وتعالي: ¢إنْ تَتُوبَا إِلَي اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرى¢. ووردت "صلح" مزيدا فيه بحرف بصيغة "أصلح" "20" مرة مفرداً وجمعاً. كما في الآيات التالية: بصيغة المفرد يقول سبحانه وتعالي: ¢وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامى عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَي نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةي ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورى رَحِيمى¢. وكقوله سبحانه تعالي: ¢يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلى مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَي وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفى عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ¢. وبصيغة الجمع كقوله سبحانه تعالي: ¢إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ¢. كقوله تعالي: ¢ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةي ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورى رَحِيمى¢.. وكتب التفاسير فيها الكثير والكثير لمن اراد المزيد.. وفي السنة النبوية المطهرة: روي الترمذيُّ عن عَمْرِو بْنِ عَوْفي الْمُزَنِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّي اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ الصُّلْحُ جَائِزى بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا صُلْحًا حَرَّمَ حَلَالًا أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا وَالْمُسْلِمُونَ عَلَي شُرُوطِهِمْ إِلَّا شَرْطًا حَرَّمَ حَلَالًا أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا. "حديث صحيح".. وعن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: ¢ألا أخبركم بأفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة قالوا بلي قال إصلاح ذات البين وفساد ذات البين هي الحالقة¢.. قال أبوعيسي الترمذي: ويروي عن النبي أنه قال هي الحالقة لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين¢. ** وقد أجمع الفقهاء علي مشروعية الصلح في الجملة. وإن كان هناك خلاف في بعض الصور ويرون أن الصلح يكون واجبا عند تعيين المصلحة. وقد يكون حراما أو مكروها عند استلزامه مفسدة يجب درؤها. أو يترجح جانب المفسدة. وحدد العلماء للصلح أنواعا خمسة: * الصلح بين أهل العدل وأهل البغي * الصلح بين الزوجين عند خوف الشقاق * الصلح بين المتخاصمين في غير مال كالجنايات العمدية * الصلح بين المسلمين والكفار * الصلح بين المتخاصمين في الأموال. وما كان الصلح والدعوة إليه والحض عليه إلا لتحقيق عدة فوائد مهمة منهما.. قطع النزاعات والخصومات. ودفع المفسدة وقمع الشرور. استقامة النفوس. حصول الاتفاق والتراضي. حصول العفو والمغفرة من الله تعالي. حقن الدماء بين المسلمين بعضهم بعضاً وبين المسلمين وغيرهم. ** روي البخاريُّ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ أَهْلَ قُبَاءي اقْتَتَلُوا حَتَّي تَرَامَوْا بِالْحِجَارَةِ فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّي اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِذَلِكَ فَقَالَ: اذْهَبُوا بِنَا نُصْلِحُ بَيْنَهُمْ.. ** قال صلّي الله عليه وسلم: "ألا أنبئكم بصدقة يسيرة يحبها الله" فقالوا: ما هي؟ قال: "إصلاح ذات البين إذا تقاطعوا".. ** من أقوال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ردوا الخصوم حتي يصطلحوا فإن فصل القضاء يورث الضغائن بين الناس. ** من جميل شعر ابي الطيب المتنبي: حَسَمَ الصّلْحُ ما اشتَهَتْهُ الأعادي وَأذاعَتْهُ ألْسُنُ الحُسّادِ وَأرَادَتْهُ أنْفُسى حَالَ تَدْبِي رُكَ مَا بَيْنَهَا وَبَينَ المُرَادِ صَارَ ما أوْضَعَ المُخِبّونَ فيهِ مِن عِتابي زِيادَةً في الوِدادِ وَكَلامُ الوُشَاةِ لَيسَ علي الأحْ بَابِ. سُلطانُهُ علي الأضْدادِ إنّمَا تُنْجِحُ المَقَالَةُ في المَرْ