الإنتاج هو العلاج، نعم هو العلاج الوحيد للخروج من الأزمات، وهو الحقيقة الاقتصادية التى أثبتتها تجارب الدول عبر التاريخ، فعندما تضطرب الأسواق، وتتآكل الموارد، وتُرهق الدول اقتصاديًا بفعل الحروب والصراعات، لا يكون الخروج بالانتظار أو الترقب، وإنما بالعودة إلى أصل القوة: الإنتاج بكل أشكاله هو الحل لاستعادة التوازن والتعافى للدول بعد الحروب. فالحروب، مهما بلغت حدتها ومدتها، تظل مرحلة مؤقتة، لكن ما تخلّفه من ندوب اقتصادية يمتد أثره طويلًا، ويتسبب فى معاناة المواطنين، لذلك يحتاج إلى عقل واعٍ، وإدارة تتبنى عقلية اقتصادية قائمة على تعظيم الإنتاج، خاصة فى ظل ما يشهده محيطنا العربى الإقليمى من توترات متصاعدة ألقت بظلالها على مختلف القطاعات، من الطاقة إلى التجارة. لقد علّمتنا التجارب عبر السنوات الماضية أن كل حرب ندفع فاتورتها الاقتصادية من التضخم، والبطالة، وتراجع الاستثمار، وضغوط على العملة والموارد، وهنا تحديدًا يبدأ التحدى الحقيقى والأصعب، حيث لا يكفى انتظار التعافى، بل يجب صناعته عبر ما يمكن تسميته ب«روشتة العلاج الاقتصادى»، التى تُبنى على أسس واقعية وسريعة التنفيذ. إن أول ملامح هذه الروشتة هو تعزيز الإنتاج المحلى باعتباره صمام الأمان لأى اقتصاد فى أوقات الاضطراب، فالدول التى تمتلك القدرة على إنتاج غذائها واحتياجاتها الأساسية تكون أقل عرضة للانهيار، وأكثر قدرة على الصمود، ويأتى بعد ذلك تشجيع الاستثمار، خاصة المستثمرين المصريين، ليس فقط عبر الحوافز، بل عبر خلق بيئة مستقرة تشريعيًا وإداريًا، تُطمئن المستثمر وتدفعه للمشاركة فى عملية التعافى. إيمانى الشديد بأن الاقتصاد الذى يُنتج هو الاقتصاد الذى يصمد، والدولة التى تمتلك قاعدة إنتاجية قوية تكون أكثر قدرة على امتصاص الصدمات وأقل تأثرًا بالتقلبات الخارجية. وهذا ما أدركته الدولة المصرية مبكرًا، حين اتجهت، بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسى، رغم كافة التحديات الاقتصادية إلى ببناء قاعدة صلبة من البنية التحتية، شملت الطرق، والموانئ، ومشروعات الطاقة، والمدن الجديدة، ورغم ما تحمله هذه المشروعات من تكلفة كبيرة، فإنها تمثل استثمارًا طويل الأجل فى قدرة الاقتصاد المصرى على امتصاص الصدمات والتعافى السريع من الأزمات والحروب. لقد أثبتت مصر والمصريين، عبر تاريخها، قدرتها على تجاوز الأزمات، بدءًا من تداعيات حرب أكتوبر 1973، وصولًا إلى التحديات الاقتصادية العالمية الحديثة، ففى كل مرة، كان العامل المشترك هو تماسك الجبهة الداخلية، وإيمان المواطن بدوره فى البناء وتخطى الصعاب مهما كانت التضحيات والتكلفة. ما تشهده المنطقة اليوم من توترات، سواء فى الخليج أو فى محيطه، ينعكس بشكل مباشر على الاقتصاد المصرى والعربى، عبر ارتفاع أسعار الطاقة، واضطراب سلاسل الإمداد، وتراجع حركة التجارة، لكن قراءة هذه التحديات يجب ألا تكون قراءة يأس، بل قراءة وعى واستعداد. إن «روشتة العلاج» التى نحتاجها اليوم يجب أن تقوم على عدة محاور متكاملة: دعم الصناعة الوطنية، وتعزيز الصادرات، وترشيد الاستهلاك، وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية للفئات الأكثر تأثرًا، إلى جانب ذلك، يجب الاستثمار فى الإنسان بالتعليم والتدريب، لأنه العنصر الأهم فى أى معادلة اقتصادية ناجحة.. الحروب قد تُفرض علينا، لكن طريقة التعامل مع آثارها هى خيارنا نحن، ومصر، بتاريخها وخبرتها، قادرة على تقديم نموذج فى الصمود والتعافى، خاصة مع توافر الإرادة والقيادة الحكيمة المتمثلة فى الرئيس عبد الفتاح السيسى، لذلك، علينا استمرار عجلة الإنتاج فى الدوران والابتعاد عن اليأس، فبين ركام الأزمات تولد الفرص، ومن قلب المعاناة تُصاغ بدايات جديدة، تلك هى فلسفة النجاة التى أؤمن بها، وهو الطريق الوحيد نحو مستقبل أكثر استقرارًا وقوة، والمصريون قادرون على التحدى والصمود، فهذه طبيعتنا وقدرنا الذى نعشيه.