مصر تحديدًا تعرف معنى القوة الناعمة بالفطرة قبل التعريفات، أفلامها رسخت صورة مدينة القاهرة فى الخيال العربى. لسنوات طويلة تعاملت المجتمعات وصنّاع القرار مع الثقافة بذهنية اللمسة الجمالية الأخيرة كزينة تُعلق على الواجهة بعد اكتمال بناء الدولة من اقتصاد، وجيش، وبنية تحتية، ومؤسسات خدمية، وغيرها. كان يُنظر إلى الفنون والآداب كترف يُستدعى فى أوقات الرخاء والاحتفال، ويُهمل عند أول منعطف للأزمات باعتباره عبئًا ماليًا يمكن الاستغناء عنه. غير أن العالم أعاد ترتيب أوراقه ولم تعد مكانة الأمم تقاس فقط بمخزونها من الثروات الطبيعية أو ترسانتها العسكرية، بل بقدرتها على ملامسة العقول والقلوب عبر صياغة ذائقة خاصة ترتبط بالفنون والآداب والفروع الثقافية المختلفة، وهو ما عرفّه جوزيف ناى بالقوة الناعمة.. ومصر تحديدًا تعرف معنى القوة الناعمة بالفطرة قبل التعريفات، أفلامها رسخت صورة مدينة القاهرة فى الخيال العربى، وأغانيها تصدر مع اللهجة والوجدان، ورواية تُعيد رسم علاقة القارئ بذاته وبالعالم هنا لا نتحدث عن ترف حالم، بل عن نفوذ هادئ يشتغل على المدى الطويل يجعل الشعوب تتأثر بقيم المنتج للفنون والثقافة دون خُطب سياسية، الثقافة حين تُدار بذكاء تُصبح جسرًا غير مرئى بين الاقتصاد والهوية. كيف يصبح الإبداع صناعة؟ فى هذا العصر غادرت الثقافة جدران المتاحف الصامتة لتصبح جزءًا من الاستراتيجيات الاقتصادية والسياسية وتحولت من نشاط هامشى ترفيهى إلى صناعة كبرى يصحبها مردود مالى، وقدرة على تشكيل هوية المجتمعات وصورتها فى الخارج. والسؤال الأكثر إلحاحًا عند تفكيك هذا المشهد كيف تتحول قصيدة شعرية، أو لوحة تشكيلية، أو نص روائى من إبداع فردى يُعبر عن رؤية ومشاعر صاحبه إلى صناعة ذات ثقل اقتصادى ومعنى ذى نفوذ حضارى؟ الفن فى جوهره يحمل قيمتين تسيران متلازمتين. الأولى قيمة المعنى، التى يصنعها المبدعون ومعهم المنظومة الثقافية كلها مكونة من نقاد، وقراء، وإعلام ثقافى، ومؤسسات ثقافية وتعليمية تحفظ السياق وتمنح العمل ثقله الفكرى والتاريخى. ودون هذه البنية الفكرية تظل الإبداعات الفنية مواد جميلة فى لحظتها لكنها سريعة التبخر ولا تترك أثرًا ممتدًا. أما القيمة الثانية فهى القيمة الاقتصادية، وهى التى تكمل المشهد بمفردات مثل حقوق الملكية الفكرية ودور النشر والتوزيع، ومعارض الكتب، وشركات الإنتاج، والمنصات الرقمية.. هذه السلسلة تجعل من المعنى كيانًا قابلًا للتداول، بحيث تتحول الرواية إلى فيلم أو مسلسل وتتحول اللوحة إلى نمط بصرى يطبع على المنتجات، ويصبح الإبداع رافدًا من روافد الاقتصاد القومى لا عبئًا عليه. صناعة المكان حين تتحول المدينة إلى قصة وعندما نتحدث عن الاقتصاد الإبداعى والذى يعرف أيضًا بالاقتصاد البرتقالى من منظور عملى فإننا نتجاوز فكرة بيع تذكرة المسرح أو شراء كتاب، إلى مفهوم أوسع لصناعة السردية وصناعة الأماكن الثقافية، الاقتصاد البرتقالى هو القوة التى تحول الأحياء القديمة المهملة إلى وجهات سياحية حين نبرز ملامحها التراثية وقيمتها التاريخية فينشأ حولها سوق كامل مقاه صغيرة، ومشغولات يدوية وجولات ثقافية، وورش تصميم، وفعاليات موسمية. المكان نفسه يصبح نصًا قابلًا للقراءة؛ وكل قراءة تدخل دخلًا، وتخلق وظائف، وتعيد الاعتبار للذاكرة المحلية. والقاهرة مثال حى على ذلك حين تستعيد وسط البلد أو الفسطاط أو شوارع بعينها مثل شارع المعز حياتها عبر مهرجان أو معرض، أو مسارات للمشى تحكى التاريخ. وبالمعنى ذاته، تقدم الإمارات نموذجًا قريبًا عبر تحويل الأحياء التراثية إلى تجربة لا مجرد مبان مثل حى الفهيدى التاريخى فى دبى، أو مشهد جزيرة السعديات الثقافى فى أبوظبى الذى جعل المتحف والفعاليات جزءًا من الحياة اليومية والهوية السياحية، فى الحالتين لا يعود الحى مجرد حجر، بل يتحول إلى تجربة إنسانية السائح فيها لا يشترى مبنى بل يشترى قصة، وصوتًا، ورائحة، وإيقاعًا. وعندما تتكرر تجربة وتدار بجودة، يصبح للمدينة علامة ثقافية تنافس فى السوق العالمية دون أن تتخلى عن روحها التاريخية. تصدير السردية النفوذ الذى لا تصنعه القوة الصلبة الاقتصاد الإبداعى أو البرتقالى يساهم أيضًا فى تصدير الثقافة كمنتج عابر للحدود. حين يشاهد العالم دراما تنتجها دولة ما، أو يستمع لموسيقاها، أو يقرأ لكتابها، فهو لا يستهلك ترفيهًا فقط؛ إنه يتبنى ولو جزئيا منظومته القيمية ويتشرب طريقه فى التفكير، ويفهم حساسيات مجتمع ما تجاه الحب، والسلطة، والعدل، والمعنى. وهذا هو جوهر النفوذ الذى لا تحققه القوة الصلبة إنه اقتصاد قائم على المورد الوحيد الذى لا ينضب بالاستهلاك، بل يزداد كلما استخدم وهو الخيال البشرى. ومع صعود التكنولوجيا اتسع تعريف المنتج الثقافى نفسه، حيث لم تعد الثقافة محصورة فى كتاب وفيلم ولوحة صارت أيضًا لعبة فيديو تحمل سردية، وبودكاست ومنصة تعليمية تنقل الفنون إلى البيوت وتجارب واقع ممتد. هذه القنوات الجديدة لا تلغى القديم، لكنها تفتح له آفاقًا جديدة تعيد توزيع الجمهور وتخلق مصادر دخل مختلفة وتمنح المبدع قدرة على اختبار أنماط سرد جديدة بإيقاع العصر. التعليم مصنع الذائقة قبل مصنع الموهبة ولكيلا يتحول هذا الاتساع إلى فوضى يظل التعليم هو المصنع الأول للذائقة لا يمكن الحديث عن اقتصاد إبداعى قوى بينما المدرسة تربى الطفل على الحفظ فقط، وتترك الفن للنشاط الهامشى درس موسيقي محترم ومسرح مدرسى جاد ونوادٍ للقراءة، وزيارات منتظمة للمتاحف، ليست رفاهية تربوية إنها استثمار طويل الأجل فى المستهلك الواعى قبل أن يكون استثمارًا فى المبدع. فالجمهور الذى يملك أدوات التذوق يرفع سقف السوق، ويقلل فرص الرداءة، ويكافئ الجودة، ويحمى الموهبة من الانطفاء المبكر. رعاية المواهب بين المؤسسة والحديقة المفتوحة ولضمان استمرار تدفق هذا النفط الإبداعى لا بد من الحديث عن رعاية المواهب، وهى العملية التى تتأرجح دائمًا بين نموذجين متناقضين ومتكاملين فى آن واحد، الدعم المؤسسى والدعم المجتمعى فحين تقوم الحكومات برعاية الفنانين وتوفير منح التفرغ لهم مما يحميهم من قسوة السوق ويسمح بإنتاج أعمال ضخمة ونخبوية قد لا تكون مربحة تجاريًا لكنها ضرورية لحفظ التراث والهوية. لكن هذا النموذج رغم أهميته قد يعانى البيروقراطية أو يؤدى إلى نوع من الجمود الإبداعى.. فى المقابل يأتى الدعم المجتمعى الذى يشبه الحديقة المفتوحة وهو ما يدور فى شوارع المدن، ومقاهى المثقفين، وعلى منصات التواصل الاجتماعى. هنا لا توجد حماية والبقاء للأصلح والأكثر قدرة على جذب الجمهور. هذه البيئة تفرز مواهب صلبة حقيقية وتلامس نبض الشارع بصدق مدهش وتخلق اتجاهات فنية حيوية ومتجددة. إلا أن خطورة هذا النموذج تكمن فى ميله أحيانًا للسطحية التجارية، أو فى ضياع مواهب فذة لم تمتلك أدوات التسويق الحديثة والسر فى نجاح أى منظومة ثقافية يكمن فى التجسير بين العالمين أن توجد مؤسسات واعية تلتقط الموهبة التى صقلتها الحديقة المجتمعية وتوفر لها التدريب والمنصة والتمويل، دون أن تروّض جموحها أو تفرغها من مضمونها الأصيل. قياس الأثر اقتصاد ورمزية معًا وثمة تفصيلة لا تقل أهمية هى: كيف نقيس نجاح الثقافة دون أن نحاصرها بالأرقام؟ قياس الأثر يحتاج توازنًا ذكيًا، جزء منه اقتصادى مثل الوظائف وعوائد استثمارات، وجزء منه رمزى مثل حضور اللغة، انتشار الرموز، بناء الصورة الذهنية، قوة السردية حين نخلط المعيارين نحصل على بوصلة صحية لا تقديس للسوق على حساب المعنى، ولا تعالٍ على السوق باسم النخبوية لندرك أن الثقافة الناجحة هى التى تعيش فى الناس لا التى تعرض فقط على الجدران. الإبداع حصن الإنسان الأخير ختاما فإن تحويل الثقافة من هامش الديكور إلى قلب المعادلة الاقتصادية والسياسية ليس خيارًا ترفيهيًا، بل ضرورة حتمية فى عالم يتجه نحو الأتمتة. ففى حين ستتولى الذكاءات الاصطناعية المهام الروتينية والتحليلية، سيبقى الإبداع وصناعة المعنى الحصن الأخير للإنسان، والميزة التنافسية الكبرى للأمم الاستثمار فى الثقافة هو استثمار فى الذاكرة الجمعية وفى القدرة على سرد حكايتنا للعالم بطريقتنا، لنكون فاعلين فى صناعة المشهد الحضارى، لا مجرد متفرجين يكتفون بتزيين الجدران. باحثة إماراتية فى الأمن الاجتماعى والثقافى، أستاذ زائر بكليات التقنية العليا للطالبات، أستاذ زائر بجامعة الإمارات العربية المتحدة