صناعة الصلب المتكاملة اختبار حقيقى لجدية الدول فى بناء اقتصاد منتج أكدت التجارب التاريخية للاقتصادات الناجحة أنه لا يمكن تحقيق نمو اقتصادى مستدام دون قاعدة صناعية تحويلية قوية، والأهم من ذلك أنه لن تكون هناك صناعة تحويلية حقيقية دون صناعة صلب متكاملة، قادرة على تزويد الاقتصاد بما يحتاجه من مادة أولية استراتيجية، وبما يمنحه من استقلال نسبى فى قراره التنموي، كما أن صناعة الصلب تعتبر اختبارًا حقيقيًا لجدية أى دولة فى بناء اقتصاد منتج، لا اقتصاد هش يعتمد على الخارج أكثر مما يعتمد على نفسه. الخطأ الأكثر شيوعًا فى النقاش العام حول صناعة الصلب التعامل معها كقطاع مستقل، يمكن تقييمه بمعزل عن بقية الاقتصاد، فالواقع يؤكد أن الصلب ليس مجرد نشاط صناعي، بل بنية تحتية إنتاجية لكل ما يأتى بعده، مثل الإنشاءات، والبنية التحتية، والصناعات الهندسية، والسيارات، والأجهزة، والطاقة، لذلك عندما تغيب هذه الصناعة لا يتوقف النشاط فورًا، لكنه يصبح تابعًا للأسعار العالمية، ولتقلبات الشحن، وللقرارات السياسية فى دول أخري، ولحسابات لا علاقة لها باحتياجات الاقتصاد المحلي، ولذلك لم تنجح أى دولة فى تحقيق تصنيع عميق ومستدام، دون أن تضع صناعة الصلب فى قلب استراتيجيتها الصناعية. ويرى خبراء الاقتصاد أن كل صناعة صلب لا تتساوى فى أثرها الاقتصادي، لأن هناك فارقا جوهريا بين صناعة متكاملة تبدأ من الصلب السائل، ونشاط يقتصر على تشكيل أو درفلة منتجات نصف جاهزة، فالصناعة المتكاملة تحقق قيمة مضافة أعلي، وبها تشابكات صناعية أوسع، كما أن قدرتها أكبر على امتصاص الصدمات، أما الاقتصار على المراحل النهائية يجعل الاقتصاد معلقًا بحلقة ضعيفة فى سلسلة الإنتاج العالمية، وقد يبدو ذلك أقل كلفة على المدى القصير، لكنه أكثر هشاشة على المدى الطويل. اقرأ أيضًا| عمرو سليمان ل«الأخبار»: مفاوضات لاستئناف الإنتاج بداية 2024 وأوضح الخبراء أن الدول التى قبلت بدور المُشكِّل لا المنتِج اكتشفت لاحقًا أنها فقدت السيطرة على أحد أهم مفاتيح نموها الصناعي، لذلك تحتاج مصر إلى صناعة صلب متكاملة قوية، فالأمر لا يتعلق الأمر بالاختيار بين بدائل متقاربة، بل بين مسارين اقتصاديين مختلفين تمامًا، فمصر تمتلك سوقًا محلية كبيرة، وطلبًا متنوعًا ومتزايدًا، وقاعدة بشرية صناعية، وموقعًا لوجستيًا يسمح بالتصدير، ولذلك فإن غياب صناعة صلب متكاملة فى هذا السياق لا يعنى فقط زيادة الاستيراد، بل يعنى إهدار ميزة نسبية حقيقية، كما أن كل توسع فى البناء أو البنية التحتية سيظل معتمدًا على الخارج، سواء من حيث السعر أو التوقيت أو الإمداد.. وهو ما يؤكد أن صناعة الصلب هنا ليست ترفًا صناعيًا، بل شرطًا من شروط الاستقلال الاقتصادى النسبي. ومن ناحية أخرى فإن أكبر التحديات التى تواجه صناعة الصلب عالميًا فائض الطاقة الإنتاجية، لأنه لا يُدار بمنطق السوق الحر، بل بمنطق السياسات الصناعية للدول الكبري، فحين تمتلك دولة ما طاقات فائضة تقوم بدعم صادراتها، وإغراق الأسواق الخارجية، واستخدام السعر كأداة تصريف لا كمؤشر تكلفة.. بينما الدول التى تفتح أسواقها بلا ضوابط فى مواجهة هذا الواقع لا تحمى المستهلك، بل تعرّض صناعتها المحلية للاستنزاف، ومع خروج المنتج المحلى يختفى التوازن المصطنع، وتظهر هشاشة السوق، ولذلك فإن حماية صناعة الصلب تعتبر دفاعا عن السوق لا خروج عليها، خاصة أن الحماية فى هذا السياق لا تعنى إغلاق السوق، ولا منح امتيازات أبدية، لأنها تكون أداة تصحيح لسوق عالمية مشوهة، وهنا تظهر أهمية رسوم مكافحة الإغراق، والإجراءات الوقائية، وهى ليست اختراعًا لدول نامية، بل أدوات استخدمتها – ولا تزال – أكبر الاقتصادات الصناعية، وهو ما يؤكد أن الخلط بين الحماية والاحتكار خطأ شائع، فالحماية الذكية تمنع الممارسات غير العادلة، وتحافظ على تعدد البدائل، وتضمن استمرار المنافسة الحقيقية، أما ترك السوق بلا حماية يؤدى غالبًا إلى احتكار خارجى لا يخضع لأى رقابة محلية. اقرأ أيضًا| اتحاد شركات التأمين يحدد أخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي في صناعة التأمين وأوضح الخبراء أن أى تحرك فى أسعار الحديد ليس قرارًا إداريًا، بل نتيجة تفاعل معقد بين أسعار الخامات والطاقة عالميًا، وسعر الصرف، وتكلفة التمويل، والعرض والطلب، ولذلك فإن اختزال هذه العوامل فى اتهام مباشر للمنتج المحلى لا يحل المشكلة، بل يعمقها، والأسوأ حين يتحول السعر إلى قضية شعبوية تُدار بردود فعل قصيرة الأجل تضر بالصناعة وبالسوق معًا، وتتمثل هذه الردود فى قرارات متسرعة مثل فتح استيراد، وضغوط غير مدروسة، ورسائل سلبية للمستثمر، وقد تكون النتيجة انخفاضًا مؤقتًا فى السعر، لكنها غالبًا ما تُتبع بارتفاع أشد، بعد أن تضعف الصناعة المحلية، فصناعة الصلب لا تحتاج وعودًا، بل بيئة مستقرة، عناصرها سياسة صناعية واضحة، وحماية ذكية ضد الإغراق، واستقرار فى تسعير الطاقة، وتوفير أدوات تمويل طويلة الأجل، وتشجيع التكامل الصناعي، وربط الحماية بالتطوير التكنولوجي، ويمثل كل ذلك الحد الأدنى الذى توفره الدول التى قررت الحفاظ على صناعاتها الثقيلة، وفى ذات السياق فإن المستهلك ليس خارج هذه المعادلة، فالسوق التى تخلو من صناعة محلية قوية لا توفر حماية حقيقية للمستهلك على المدى الطويل، بينما وجود منتج محلى قادر على المنافسة يحد من التقلبات، ويوفر بديلًا دائمًا، كما يمنح الدولة قدرة على التدخل عند الضرورة.