لم تكن النيران التي اندلعت في شقة ب«شارع أمين الرافعي» بالدقي في أبريل 1993 مجرد حادث عرضي، لكن كان الفصل الأخير في معركة فكرية شرسة خاضها رجل ضد منظومة تزييف عالمية، جمال حمدان، العالم الذي اعتزل صخب الحياة ليؤنسه فضاء الخرائط، لم يقتل لأنه جندي يحمل بندقية بل لامتلاكه أخطر سلاح في القرن العشرين "الحقيقة الأنثروبولوجية". من قرية ناي إلى قمة ريدنج وُلد جمال حمدان في 4 فبراير 1928 بمحافظة القليوبية، في بيئة تقدس العلم واللغة، نشأ على ترتيل القرآن الكريم وتجويده، مما منح قلمه رصانة وجزالة قل نظيرها، نبوغه المبكر قاده من المدرسة التوفيقية إلى قسم الجغرافيا بجامعة القاهرة، ومنها إلى بريطانيا ليقتنص الدكتوراه من جامعة "ريدنج" عام 1953. عاد راهب الجغرافيا إلى مصر ليثري المكتبة العربية بمؤلفات لم تكن مجرد توصيف للمكان، بل كانت قراءة عبقرية للزمان والسياسة، مثل "جغرافيا المدن" و"دراسات عن العالم العربي"، لينال جائزة الدولة التشجيعية عام 1959، ويبدأ رحلة الصدام مع "أعداء النجاح" الذين عرقلوا ترقيته، فما كان منه إلا أن استقال من الجامعة عام 1963، معتزلا العالم ليصنع عالما خاصا من الورق والحبر. اقرأ أيضا| المصريون بين ثقافة التكيف وآفاق التمكين ..وضع المسلمات قيد الفحص والتحقيق كيف هدم حمدان أسطورة أرض الميعاد؟ في عام 1967، أصدر حمدان كتابه الأخطر حيث اعتمد الكتاب على حقائق "الأنثروبولوجيا" (علم الإنسان) لإثبات الآتي: أسطورة العرق: أثبت أن اليهود المعاصرين ليسوا أحفاد بني إسرائيل القدامى، بل هم ينتمون إلى "إمبراطورية الخزر التترية" التي تهوّدت في القرن الثامن الميلادي. الشتات والاختلاط: أكد أن 20 قرناً من الشتات أدت إلى اختلاط دماء اليهود بأجناس المهجر، مما جعل "اليهود المحدثين" يختلفون كلياً عن "اليهود القدامى". فلسطين ليست الموطن: أوضح أن فلسطين كانت مجرد مهرب أخير بعد إغلاق أوروبا وأمريكا أبوابها في وجههم، وأن قيام إسرائيل هو "ظاهرة استعمارية" لا علاقة لها بالدين أو التاريخ. الأدلة الجسدية: قارن بين صفات الرأس، الطول، ولون البشرة لليهود الحاليين والقلة الباقية من يهود فلسطين الأصليين، ليؤكد أن المستوطنين الحاليين "متهوّدون" وليسوا "يهودا" بالمعنى السلالي. فلم يتوقف عند العلم البحت، بل انتقل للتحليل السياسي في كتابه "استراتيجية الاستعمار والتحرير"، حيث وصف إسرائيل ب "الكيان اللقيط" الذي أوجده الاستعمار العالمي ليكون: قاعدة عسكرية متكاملة في قلب الشرق الأوسط أداة لتمزيق الاتصال الجغرافي العربي وتخريب تجانسه. "جيتو" سياسي يقوم على التعصب الديني الذي يمثل شذوذا عن فلسفة القرن العشرين. تفاصيل الاغتيال بالاحتراق في أبريل 1993، رحل جمال حمدان في ظروف تثير الريبة، حيث عثر على جثته ونصفها محترق، لكن التقارير الطبية أكدت أنه لم يمت مختنقا بالدخان، مما يشير إلى قتله قبل الحريق، وتكتمل خيوط المؤامرة بشهادة شقيقه، اللواء عبد العظيم حمدان، الذي كشف عن اختفاء مفاجئ للطباخ الخاص به قبل الحادث بفترة وجيزة، بالإضافة إلى سكن رجل وامرأة أجنبيان في الشقة التي تعلو شقته لشهرين فقط، واختفيا تماما ليلة الحادث. كما اختفت مسودة كتابه الأضخم "اليهود والصهيونية وبنو إسرائيل"، الذي كان يقع في قرابة 1000 صفحة.