في إطار فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، شهدت القاعة الرئيسية ببلازا (1)، ضمن محور «المؤسسات»، انعقاد ندوة بعنوان «الإعداد والترميم والإنشائية للمتحف المصري الكبير»، بمشاركة كل من الدكتورة إيمان أحمد الحنفي، مسؤول المتابعة بالمكتب الفني للرئيس التنفيذي للمتحف المصري الكبير، والدكتور عيسى زيدان، المدير العام التنفيذي للترميم ونقل الآثار بالمتحف المصري الكبير، وأدارت الندوة الإعلامية هاجر جميل. وفي مستهل الندوة، رحّبت الإعلامية هاجر جميل بالحضور والضيوف، معربة عن سعادتها بإدارة هذه الجلسة، التي وصفتها بأنها من الجلسات القريبة إلى قلبها، لما يحمله المتحف المصري الكبير من قيمة حضارية وثقافية، مشيرة إلى أن المتحف مرّ بعدة مراحل تاريخية مهمة حتى وصل إلى ما هو عليه اليوم. من جانبه، قال الدكتور عيسى زيدان إن المتحف المصري الكبير مرّ بمراحل عديدة منذ عام 1992 وحتى عام 2025، موضحًا أن من أهم هذه المراحل أعمال الترميم ونقل الآثار، التي تمثل النواة الأساسية لاستقبال القطع الأثرية وتأهيلها وترميمها وعرضها بالشكل اللائق. وأضاف أن مركز الترميم تم افتتاحه عام 2010، ويضم 19 معملًا للفحوص والتحاليل والمعامل العلمية المتخصصة في فحص الأثر ومعالجته قبل وأثناء عملية الترميم، مشيرًا إلى وجود نفق يربط بين مركز الترميم والمتحف، يتم من خلاله نقل الآثار مباشرة إلى قاعات العرض. وأكد زيدان أن المتحف المصري الكبير يُعد أكبر صرح ثقافي تقدمه مصر للعالم في القرن الحادي والعشرين. واستعرض الدكتور زيدان، من خلال شاشة العرض، رحلة بناء وتشغيل المتحف منذ وضع الفكرة الأولى، مرورًا بقصة اختيار الموقع والتصميم، وصولًا إلى الاستعدادات للافتتاح الكبير، مشيرًا إلى أن المتحف يضم كنوز الملك الذهبي الأشهر في العالم، توت عنخ آمون. وأوضح أن عام 2002 شهد وضع حجر الأساس للمتحف، تلاه في عام 2003 طرح مناقصة دولية للشركات العالمية، ثم بدأت أعمال تمهيد أرض المشروع خلال الفترة من 2005 إلى 2008، وصولًا إلى افتتاح مركز الترميم عام 2010، لتتوالى بعدها مراحل التنفيذ المختلفة. وأكد زيدان أن المتحف لا يقتصر دوره على عرض الآثار فقط، بل يمثل مؤسسة ثقافية وتعليمية متكاملة تسهم في تنمية الوعي الحضاري لدى الأطفال وتعزيز روح الانتماء للوطن. كما استعرض البنية التحتية لمعامل الترميم والصيانة الوقائية، ومعامل الفحوص والتحاليل، والمخازن المؤمَّنة بأعلى مستويات التأمين، مشيرًا إلى بدء عمليات استلام الآثار وأعمال الترميم الأولى لمجموعة الملك توت عنخ آمون، بالإضافة إلى نقل التابوت من مقبرته بالأقصر إلى المتحف المصري الكبير. وتطرق زيدان إلى جمع عجلات الملك توت عنخ آمون الست لأول مرة داخل المتحف المصري الكبير، بعد أن كانت موزعة على متاحف مصر المختلفة، كما عرض فيديو حصريًا يوثق عملية نقلها وترميمها. وأشار إلى أن أي مشروع بهذا الحجم لا يخلو من التحديات، موضحًا أنهم واجهوا لحظات فارقة وصعوبات كبيرة، خاصة في التعامل مع الآثار المتدهورة، والقطع ذات الطبيعة الخاصة، والآثار الثقيلة، بالإضافة إلى مشروع نقل مركب الملك خوفو الأولى، أقدم وأكبر أثر عضوي في العالم، والمعروفة ب«مركب الشمس». وأكد أن الفكر المصري لا يعرف المستحيل، مضيفًا أن مشروع نقل مركب الملك خوفو استغرق أكثر من ثمانية أشهر، تحت إشراف لجان أثرية رفيعة المستوى، مع الاستعانة بمركبة حديثة جُلبت من خارج مصر قادرة على تحمل أكثر من 100 طن، في عملية وصفها العالم بأنها شبه مستحيلة. وفي سياق متصل، أشار زيدان إلى اهتمام المتحف بأدق التفاصيل في جميع عناصره، مؤكدًا أن إدارة تشغيل المتحف والخدمات تتم من خلال شراكات عالمية متخصصة. من جانبها، أعربت الدكتورة إيمان الحنفي عن سعادتها بوجودها في هذا «العرس الثقافي السنوي»، وهو فعاليات معرض الكتاب، ووصفت المتحف بقولها: «عظمة الفكرة، وإبداع التنفيذ، ومهارات الإدارة». وأوضحت أن المتحف حصل على ثماني شهادات أيزو في مجالات الجودة، والبيئة، والإدارة، والطاقة، وغيرها، مؤكدة أن المتحف يُعد نموذجًا يُحتذى به في المشروعات القومية الكبرى، كما يُعرف ب«المتحف الأخضر» لكونه صديقًا للبيئة، حيث استخدمت في بنائه مواد غير ضارة وصديقة للبيئة. وأكدت الحنفي أن مرحلة الترميم تُعد من أهم المراحل الأساسية، موضحة أنه فور وصول الآثار إلى رصيف الشحن والمنطقة المخصصة للاستقبال، يتم التأكد من سلامة الأثر وإعداد تقرير مفصل عن حالته، ثم توجيه كل قطعة إلى المعمل المتخصص بها، حيث يتم توثيقها بالصور وتحديد منهج الترميم والصيانة المناسب. وأضافت أن بعض القطع لا تحتاج إلى ترميم، بينما يحتاج البعض الآخر إلى إعادة ترميم، مشيرة إلى أن ترميم الآثار ممارسة قديمة عرفها المصري القديم، إلا أن بعض مواد الترميم المستخدمة قديمًا أثرت سلبًا على الآثار بمرور الزمن، وهو ما تم معالجته حاليًا باستخدام أحدث الأساليب العلمية. وثمّنت الحنفي كفاءة المرممين المصريين، مؤكدة أن المتحف المصري الكبير يضم نخبة من أكفأ مرممي الآثار على مستوى العالم، وأن إعداد الكوادر البشرية القادرة على الحفاظ على الحضارة المصرية يُعد استثمارًا ثقافيًا وبشريًا، مضيفة أن المتحف يمثل بصمة المصري المعاصر في التاريخ، تمامًا كما بنى المصري القديم الأهرامات. وأشارت إلى أن كل رحلة نقل للآثار إلى المتحف كانت بمثابة ملحمة وطنية مستقلة، عكست حجم الجهد المبذول. وأكدت أن استخدام التكنولوجيا الحديثة في جميع أرجاء المتحف وقاعات العرض أسهم في إبراز حداثة المتحف ومعاصرته، كما لعبت التكنولوجيا دورًا مهمًا في الحفاظ على الآثار وتحليل مكوناتها وتحديد أنسب المواد لصيانتها وعلاجها. وفي ختام حديثها، تطرقت الحنفي إلى الجدل الذي صاحب الافتتاح التجريبي للمتحف بشأن سعر تذكرة الدخول، مؤكدة أن المخاوف من تأثير ذلك على أعداد الزائرين لم تتحقق، بل شهد المتحف إقبالًا كثيفًا وزيارات تاريخية كاملة العدد.