فى دافوس، لم تكن المشكلة أن ترامب «قاسٍ» فى لغته، المشكلة أن لغته تُعبّر عن واقعٍ صار يتقدّم على اللغة القديمة العالم الذى كان يختبئ خلف عبارة «نظام قائم على القواعد» يبدو اليوم كأنه يُدار بمنطق أقرب إلى كشف حساب: من يدفع للأمن؟ من يتحمّل الكلفة؟ ومن يملك حق القرار عندما تتزاحم الأزمات؟ افتتاحية وول ستريت جورنال وصفت اليوم بأنه صاخب: هجوم على أوروبا، ثم إشارة إلى عدم نية غزو جرينلاند، ثم تراجع عن تهديدات تعريفات بعد حديث عن «إطار» عبر الناتو هذا التذبذب الظاهر ليس عبثًا؛ هو أسلوب تفاوضى يضغط ثم يفتح مخرجًا، يرفع السقف ثم يترك «إطارًا» يحفظ ماء الوجه للطرفين. لكن جوهر الحكاية لم يكن فى الأسلوب، بل فى «جرينلاند» نفسها لأن جرينلاند فى هذا النقاش ليست جزيرة هى سؤال سيادة داخل حلف عندما تُطرح مسألة «الوصول الكامل» أو ترتيبات أمنية واسعة فى القطب الشمالي، يُختبر شيء أبعد من الجغرافيا: هل أوروبا قادرة أصلًا على حماية أطرافها فى القطب بدون أن تُنادى واشنطن؟ أم أن أوروبا ما زالت قوية اقتصاديا لكنها ضعيفة فى لحظة الاختبار العسكري؟ ومن هنا تتضح ملامح النظام الجديد وهو يتشكل بطريقة عملية جدًا: أولًا: التحالف لم يعد «مسلَّمة» بل «عقدٌ قابل لإعادة التسعير» الناتو فى الخطاب الأمريكى يُعاد تعريفه كصفقة أعباء، الأوروبيون يسمعون الرسالة بوضوح: من يريد حماية أمريكية ثابتة عليه أن يثبت أنه شريكٌ قادر لا مُستهلِك أمن ولهذا ركّزت التغطيات على أن الإطار الذى خرج من دافوس يتضمن دعوة واضحة لتسريع خطوات أمن القطب داخل الناتو خلال 2026، بما يعنى نقل الملف من «انفعال سياسي» إلى «تخطيط عسكري» رسمى داخل الحلف. ثانيًا: التجارة صارت امتدادًا للأمن، التراجع عن تعريفات هنا أو التلويح بها هناك ليس مجرد اقتصاد؛ هو أداة ضغط تُستخدم مع الحلفاء كما تُستخدم مع الخصوم وهذا هو الفارق الجوهرى بين عالم الأمس وعالم اليوم: فى الأمس كان الاقتصاد يُستخدم لتثبيت التحالفات، وفى اليوم صار يُستخدم لفرض الانضباط داخل التحالفات نتيجة ذلك أن الأوروبيين لا يغضبون من التهديد فقط، بل يقلقون من فكرة أن «سلاح التعريفات» يمكن أن يصبح جزءًا دائمًا من إدارة العلاقة عبر الأطلسي. ثالثًا: الطاقة لم تعد ملفًا بيئيًا بحتًا؛ صارت ملف قدرة تنافسية وأمن قومي، انتقاد ترامب للسياسات الأوروبية فى الطاقة، كما لخصته «ول ستريت جورنال» لا يُقرأ كجدل مناخي، بل كموقف يربط بين كلفة الطاقة وبين قدرة أوروبا على تمويل الدفاع والصناعة معًا، أوروبا التى تضغط على نفسها اقتصاديًا باسم التحول الأخضر، ثم تكتشف أنها تحتاج إنفاقًا دفاعيًا أكبر، ستواجه سؤالًا محرجًا: من أين تدفع؟ وبأى نموذج؟ هذه النقاط الثلاث تفسر «فجوة دافوس» التى تحدثت عنها الصحيفة: نخبٌ تتحدث عن الأسواق المفتوحة والديمقراطية، لكنها ما زالت تعتمد على الولاياتالمتحدة فى أمنها وفى قيادة ملفات كبرى مثل أوكرانيا المشكلة ليست أخلاقية؛ المشكلة عملية: الاعتماد الطويل خلق عجزًا فى القدرة. وهنا يدخل العامل الكندى كإشارة مهمة على التحول العالمى خطاب مارك كارنى فى دافوس يتحدث عن «تمزّق» فى النظام الدولي، وعن واقعٍ تُستخدم فيه أدوات الإكراه، وعن ضرورة بناء تحالفات فعّالة وتحصين السيادة الاقتصادية بدل انتظار عودة «الخيال الممتع» ما يهمنى فى هذا الخطاب ليس كندا وحدها، بل فكرة «القوى المتوسطة» التى بدأت تدرك أن العالم القادم لن تُديره مؤسسة دولية ولا ميثاق أخلاقي؛ بل شبكات تكتل مرنة تحمى المصالح حين ترتخى القواعد إذن، أين «النظام العالمى الجديد» فى كل هذا؟ هو ليس إعلانًا بانتهاء النظام القديم، بل انتقال مركز الثقل من قواعد مكتوبة إلى قدرات قابلة للاستخدام فى هذا العالم، سيادة الدولة لا يحميها بيان، بل توازن ردع والتحالف لا يحميه تاريخ، بل توزيع أعباء مقنع والتجارة لا تُدار كمنفعة مشتركة فقط، بل كسلاح يمكن توجيهه. والسؤال الذى يجب ألا نهرب منه: هل هذه الصيغة تعنى انهيار الغرب؟ ليس بالضرورة لكنها تعنى أن الغرب «وخاصة أوروبا» سيدخل مرحلة «إعادة بناء» مؤلمة: زيادة إنفاق دفاعى حقيقية، تسريع إنتاج القدرات، تقليل الاعتماد على الولاياتالمتحدة فى مجالات محددة، من دون الذهاب إلى قطيعة شاملة تفرح خصوم الغرب وتشتت الانتباه عن ملفات أكثر سخونة وهذا التحذير تحديدًا حاضر فى تغطيات دافوس: أن الشرخ داخل الحلف نفسه قد يصبح أخطر من الخلاف مع الخصوم. المعادلة تتضح أكثر إذا نظرنا إلى «دافوس» كحالة اختبار وليست كمنصة خطابات عندما تُطرح جرينلاند بهذه الطريقة، فالمغزى العملى هو أن القطب الشمالى خرج من هامش الجغرافيا إلى قلب الأمن: ممرات بحرية، تموضع رادارات، وسباق نفوذ مع روسيا والصين ولهذا كان تحرك الناتو بعد «الإطار» مهمًا: لأنه يترجم الجدل السياسى إلى التزام تخطيطى داخل الحلف، أى أن الملف لم يعد مادة سجال إعلامى بل بندًا فى جدول القدرات. ومن زاوية أوروبا، فإن أخطر ما فى لحظة التحول ليس التهديدات نفسها، بل أثرها التراكمى على الثقة، الشراكات الكبرى تُدار بالقدرة، لكنها تعيش بالاطمئنان المتبادل عندما يبدأ الحليف فى استخدام لغة كانت مخصصة للخصوم«سواء عبر التعريفات أو عبر التهديد الضمني» فهو يحقق مكسبًا تفاوضيًا سريعًا، لكنه يزرع دافعًا أعمق لدى الطرف الآخر لبناء «خطة بديلة»: تنويع تسليح، تنويع أسواق، وتنويع ممرات طاقة، هذا بالضبط ما يفسر لماذا عاد الحديث الأوروبي/الكندى عن «مقاومة الإكراه» وبناء تكتلات لقوى متوسطة تحمى سيادتها الاقتصادية من الابتزاز. أما على مستوى النظام العالمي، فالأثر الأوسع هو أن «القواعد» لم تعد تختفى لكنها تتراجع إلى المرتبة الثانية بعد القدرة فالمؤسسات الدولية ستستمر، لكن فعاليتها ستُقاس بمن يملك أدوات تنفيذ القرارات لا بمن يكتبها وفى هذا المناخ، تتقدم ثلاث أدوات لتصبح لغة العصر: التعريفات كسلاح سياسي، التكنولوجيا/سلاسل الإمداد كسلاح سيادي، والطاقة كميزان تنافسية لا كملف أخلاقى فقط هذه هى مفاتيح قراءة لما جرى فى دافوس: عالمٌ أقل وعدًا بالاستقرار، وأكثر طلبًا للكفاءة والقدرة على الاحتمال. فى رأيي، القراءة الأقل إنشائية والأكثر واقعية تقول: ترامب لا «يهدم النظام» بقدر ما يسرّع انتقاله إلى صيغة جديدة تتعامل مع التحالفات كعقود، ومع الجغرافيا كأولوية، ومع الاقتصاد كسلاح، أوروبا إن لم ترد أن تتحول إلى تابعٍ دائم، عليها أن تنتقل من خطاب الاستقلال إلى أدواته: قدرة دفاعية، سياسة طاقة قابلة للاستمرار، وقرار سياسى لا ينتظر الإشارة من واشنطن وإلا ستبقى «فجوة دافوس» مفتوحة وسيُكتب النظام الجديد بينما هى تكتفى بالتعليق عليه.