في كرة القدم، لا يعترف التاريخ إلا بالأبطال، ولا تخلّد السجلات سوى مَن رفع الكأس فى النهاية. ومع ذلك، وبغضّ النظر عن نتيجة المباراة القادمة للمنتخب القومى، فإن التوقف عند بعض القضايا الجوهرية أصبح ضرورة لا رفاهية، إذا كنا نبحث عن مستقبل حقيقى للكرة المصرية، لا عن فرحة عابرة أو تبريرات مؤقتة. ترديد عبارات من نوعية «الفريق قدّم ما لديه» أو «وصلنا إلى مكانة لم نكن نحلم بها» هو حديث يحمل فى طياته تقليلًا غير مباشر من قيمة مصر ومكانتها الرياضية. منتخب مصر، بتاريخ بطولاته القارية وجماهيريته وتأثيره، لا يجب أن يُقاس بمنطق المفاجأة أو حسن الحظ. الطموح فى مصر يجب أن يكون دائمًا المنافسة على اللقب، لا الاكتفاء بالمشاركة المشرفة أو تجاوز التوقعات المسبقة. السؤال الأهم: هل نحن راضون عن حال الرياضة فى مصر بشكل عام؟ وهل جفّ نبع المواهب إلى الحد الذى يجعل محمد صلاح وعمر مرموش استثناءين نادرين؟ مصر لم تنضب مواهبها، لكنها تعانى من منظومة اكتشاف وصقل وتطوير غير مستقرة، تعتمد على الاجتهادات الفردية أكثر من التخطيط المؤسسى. المشكلة ليست فى غياب الموهبة، بل فى غياب البيئة التى تحميها وتطورها وتمنحها فرصة الاستمرارية. من جانب آخر، فإن استمرار حسام حسن كمدير فنى يفرض نفسه بقوة من منطلق النتائج، وهذا أمر لا يمكن تجاهله. لكن كرة القدم الحديثة لا تُقاس فقط بلوحة النتائج، بل أيضًا بالشكل، والهوية، والقدرة على التطور. السؤال المشروع: هل نحن مطمئنون فنيًا لأداء المنتخب؟ وهل هذا الفريق، بهذا الشكل، قادر على تمثيل مصر بالشكل الذى يليق بها فى بطولة بحجم كأس العالم؟ النجاح الحقيقى هو الذى يجمع بين النتيجة والأداء، بين الحماس والتنظيم، وبين الروح والقدرة التكتيكية. فدعم المنتخب القومى واجب وطنى لا نقاش فيه، لكن الأخطر هو إهدار لحظة الالتفاف الجماهيرى والإعلامى التى تحققت مؤخرًا. هذه اللحظة يجب أن تتحول إلى فرصة حقيقية للإصلاح: إصلاح بلا مجاملات، وتقييم بلا حسابات شخصية، واستراتيجيات واضحة تعالج الأخطاء قبل أن تتراكم. الوقت ما زال متاحًا، لكن التأجيل الدائم هو العدو الأول للتقدم. اما عن بعض المحللين، الذين صدعوا رؤوس الجماهير بتحليلات نظرية لا تمت للواقع العملى بصلة، فالمشكلة ليست فى النقد، بل فى غياب الحلول القابلة للتطبيق. لو كانت هذه التحليلات كافية، لامتلكنا اليوم جيشًا من المدربين العالميين القادرين على السيطرة على القارة. كرة القدم لا تُدار من خلف الشاشات فقط، بل من الملاعب، وغرف الملابس، ومراكز التطوير. المنتخب القومى يستحق الدعم، لكن الكرة المصرية تستحق الصراحة. والطموح المشروع لمصر يجب أن يكون دائمًا فى القمة، لا على هامش الإنجاز. ما نحتاجه اليوم ليس الاحتفال المؤقت، بل مشروع وطنى طويل المدى، يعيد لمصر مكانتها الطبيعية على خريطة كرة القدم العالمية.