■ كتب: حسن حافظ بين شوارع «ميت كنانة» الضيقة حركة لا تهدأ وأياد لا تعرف التوقف، فهنا في قلب القرية الواقعة بمركز طوخ محافظة القليوبية يحترف الأهالى حرفة من قديم الأزل، قوامها تطويع أعواد شجرة التمر حنة الصلبة لإنتاج العديد من المنتجات الخشبية بداية من المشنة وأقفاص العيش وصولًا إلى الشماسي والبرجولات والفواصل الخشبية التي تستخدم فى مختلف المنتجعات المصرية في البحر الأحمر وفي الساحل الشمالي كما يتم تصديرها للخارج. عندما تزور "ميت كنانة" قد يخطفك الهدوء الساحر الذى يميزها، لكن عندما تتعمق فى شوارعها ستعرف أن الحركة كلها انتقلت إلى داخل البيوت، فكل بيت فيها تحول لخلية نحل، فالبيت ورشة صغيرة تعمل فيها العائلة في صناعة المنتجات الخشبية من أعواد التمر حنة التى تُجلب من أسوان، فهناك حيث الدفء والمناخ الجاف تنمو شجرة التمر حنة، ثم تجمع وتصل إلى ميت كنانة حيث يبدأ أهالى القرية فى ترويض الأعواد الجافة. تبدو أغصان التمر حنة صلبة للوهلة الأولى، لكن رش المياه عليها له مفعول السحر، تلين هذه الأغصان وتطيع أصابع الفنان الذى يعيد تشكيلها كيفما شاء، يقولون فى ميت كنانة إن أغصان الشجر "تحن" أى تلين بعد أن ترش بالماء، لذا جاء اسمها التمر حنة، بحسب ما يروى أهالى ميت كنانة عن الشجرة التى تربطهم بها قصة عشق من طراز خاص، فجعلوها كأميرة جاءت تحنو عليهم وتفتح لهم أبواب الرزق، فانتشرت الورش بين البيوت حتى أصبح عددها يتجاوز مئة ورشة. ◄ اقرأ أيضًا | بالتعاون مع «قضايا الدولة».. تنظيم معرض لمنتجات ذوي الإعاقة يقول مجدي أحد أقدم محترفى صناعة منتجات التمر حنة، إن هذه الحرفة يشارك فيها جميع أفراد الأسرة، فنساء الأسرة يقمن بتقطيع الأعواد وتخليصها من الشوائب والعوالق لتكون جاهزة للصناعة، لذا تجد بعض نساء القرية يجلسن أمام البيوت يعملن وهن يتبادلن أطراف الحديث وحولهن الأبناء والبنات الصغار فى جو من البهجة إذ تعتمد هذه العملية على تجهيز أعواد التمر حنة للعمل وذلك بعد نقعها فى المياه لعدة أيام، بعدها يتم تجريد العود من الشوائب ليصبح جاهزًا لعمل الأسطى عليه. مهمة تشكيل أعواد التمر حنة مهمة رجالية، لأن التحكم فى العود يحتاج لبعض القوة، وهو ما يقوم به مجدى، إذ يستلم حزم أعواد التمر حنة بعدما اكتسبت مرونة و«حنّت» كما يقول، ليبدأ فى تسخيرها لصناعة منتجات كالمشنة المعدة لحمل الخضراوات والفاكهة، والبرجولات والشماسى التى تستخدم عادة فى المنتجعات خصوصا فى الغردقة وشرم الشيخ والساحل الشمالى، أما المشنات وأقفاص الخبز فتوزع عادة فى الريف والقرى المختلفة وأصحاب الكافيهات والمقاهى. ويقول حمادة النحاس الشاب الثلاثينى الذى يعمل فى هذه الحرفة منذ نعومة أظفاره إن هذه حرفة الآباء والأجداد، وكان العمل فى البداية يقتصر على صنع الأدوات المستخدمة فى الأسواق والبيوت الريفية من مشنات وحصر وسلال وأدوات تخزين الطعام وأقفاص يوضع عليها الخبز الخارج من الأفران، ورغم الاستمرار فى صنع هذه الأدوات فإن الأجيال الجديدة طورت المهنة، وتابع: «بسبب قلة العائد طورت القرية منتجات التمر حنة وبدأنا منذ عقود صناعة البرجولات والشماسى وأبواب خشبية وأسوار والتى تستخدم فى المنتجعات داخل مصر وخارجها، خصوصًا فى المناطق الساحلية». عندما تخرج من «ميت كنانة» تدرك أنك تركت خلفك ملحمة كتب فصولها أهالى القرية الذين تشاركوا جميعًا فى عزف لحن خاص بهم قوامه العزف على أعواد التمر حنة، تلك النبتة القادمة من الجنوب لتلقى بنفسها فى أيدى أبناء ميت كنانة يشكلونها كيفما شاءوا فى حرفة أصبحت علمًا على القرية وبابها السحرى نحو العالمية ومحاربة البطالة فالجميع يعمل وله مصدر دخل بفضل التمر حنة.