الإعلان رسميًا عن بدء المرحلة الثانية من اتفاق غزة يعنى قطع الطريق على المزيد من المراوغات الإسرائيلية، والانتقال من الهدنة الهشة إلى الاستحقاقات الأساسية لإنهاء حرب الإبادة، وبدء إعمار غزة كخطوة رئيسية على الطريق نحو الدولة الفلسطينية الموحدة والمستقلة، لتكون ركيزة للسلام والأمن في المنطقة. ويجىء الإعلان عن بدء تطبيق المرحلة الثانية متزامنًا مع الإعلان فى القاهرة عن التوافق على تشكيل اللجنة الانتقالية لإدارة غزة، بعد جهد مصرى مكثف مع الأطراف الفلسطينية والوسطاء، لتتولى الإدارة اليومية على الأرض فى هذه المرحلة الدقيقة، على أن يتبعها بعد ذلك تشكيل مجلس السلام برئاسة الرئيس الأمريكى، وقوة حفظ السلام التى تتولى مراقبة وقف إطلاق النار ومتابعة انسحاب قوات الاحتلال. ولا شك أن دعم الفصائل الفلسطينية للجنة الإدارية التى تم التوافق عليها سيساعد على إنجاز المهام الصعبة التى تنتظرها، والبدء فورًا فى التعامل مع الأوضاع الإنسانية بالغة الصعوبة فى القطاع. فاللجنة، التى تضم كفاءات فنية من التكنوقراط الفلسطينيين برئاسة على شعث، سوف تركز جهودها على تقديم الخدمات، وتشغيل المؤسسات، والإعداد لإعادة الإعمار. وهى تحتاج إلى دعم الجميع، وهى تبدأ عملها بينما نحو 60% من القطاع ما زال تحت السيطرة الكاملة للاحتلال الإسرائيلى. والمبعوث الأمريكى «ويتكوف»، الذى أعلن بداية المرحلة الثانية من الاتفاق، أشار إلى ما تحقق فى المرحلة الأولى من وقف إطلاق النار، لكنه لم يشر إلى حقيقة أنه بينما نفذت فصائل المقاومة التزاماتها، استمرت إسرائيل فى خرق وقف إطلاق النار، لتضيف إلى قوائم الضحايا الفلسطينيين نحو 500 شهيد بعد الاتفاق، ولتدمّر 2500 مبنى، وفق شهادة أمريكية، كما لم تنفذ تعهداتها بفتح معبر رفح، ولم تمرر إلا نحو نصف المساعدات الإنسانية المقررة فى الاتفاق. وهى أوضاع لا بد أن تنتهى مع بداية تطبيق المرحلة الثانية واستكمال مؤسسات المرحلة الانتقالية (مجلس السلام برئاسة ترامب وهيئته التنفيذية، وقوة حفظ السلام). ولا بد هنا من ضمانات بأن التغاضى الأمريكى عن انتهاكات إسرائيل للاتفاق فى مرحلته الأولى لن يكون له مكان فى المرحلة الثانية والحاسمة، فى اتفاق أصبح بالفعل تحت رعاية دولية شاملة. وعلى الجانب الفلسطينى، هناك تفهم لضرورات المرحلة وتعقيداتها، وهناك توافق على دعم التواجد الفلسطينى فى إدارة المرحلة الثانية من خلال اللجنة الإدارية، وحوار تجريه القاهرة لحل أى خلافات فى التفاصيل. كما يوجد توافق مع الأطراف العربية الفاعلة على أن الأولوية الآن لإجهاض مخططات إسرائيل لاستمرار الإبادة وفتح أبواب الهجرة القسرية، وأن الإنقاذ العاجل لمليونى فلسطينى وتثبيت وجودهم على الأرض فى غزة هو أساس أى تحرك وجوهر أى اتفاق، وأن أى خطوة تالية ينبغى أن تكون قاعدتها الأساسية أن إنهاء الاحتلال هو القضية، وأن قيام الدولة الفلسطينية المستقلة هو الهدف الذى لم يعد بعيدًا رغم كل المصاعب والتحديات. ويبقى التأكيد على أن المرحلة الأصعب فى اتفاق غزة قد بدأت، وأن إسرائيل لن تتخلى عن مخططاتها، وأن نتنياهو لن يتوقف عن مراوغاته، وأن الحفاظ على الحشد الدولى المناصر للحق الفلسطينى يظل أولوية فى كل الظروف، وأن الإدارة الدولية للفترة الانتقالية هدفها إنهاء الاحتلال لا الحلول محله، وأن إعمار غزة لا بد أن يكون بيد أبنائها ولصالح فلسطين وحدها، وأن غزة لن تُقسَّم، ولن تكون إلا جزءًا عزيزًا فى دولة موحدة اسمها فلسطين، وعاصمتها القدس.. والباقى محطات على طريق الوصول.