كان جمال عبد الناصر -الذى تحل ذكرى مولده 15 يناير- سياسيًا ذكيًا، ولم يشهر سيف الإقصاء فى وجه المبدعين والنجوم الذين نشأوا فى ظل الملكية ومدحوا الملك، إدراكًا منه بأن مصر أكبر من نظام، وأن مبدعيها لا يعرفون ولاءً إلا للوطن. ورغم الفارق الشاسع الذى يمنع المقارنة، إلا أن حصادَ عامٍ من حكم الإخوان لم يترك خلفه سوى سياسات الإقصاء، ومحاولاتٍ حثيثة لتغريب الهوية المصرية لصالح ثقافة تُعادى الإبداع وتنتقم من المبدعين، فكان من الطبيعى أن ينتهى بهم المطاف إلى الذبول والاندثار. وبين حماس ثورتى 1919 و1952، عاشت مصر حُقبة كانت رئة حضارية للإبداع؛ واحتضنت بذور النبوغ وأورقت ذهبًا فى رصيد القوة الناعمة، ورغم أن التاريخ قد أغفل إنصاف الملك فاروق وسجن عهده فى إطار ضيق من الديكتاتورية، إلا أن الثورة حين قامت احتفت بإرثِ وطن ولم تفرط فى نتاجه الفكرى. لم يقطع عبد الناصر، رقبة محمد عبدالوهاب، مطرب الملك فاروق الذى غنى له: «ياللى آمال الشباب ترويها إيدك»، ولم يحاكمه ولم يطرده من المشهد، وأصبح صوت الثورة، عبد الوهاب الذى غَنَّى للملك، هو مَن لحن لعبد الناصر: «تسلم يا غالى ألفين سلامة»، وهو الذى صاغ ألحانًا خالدة للعروبة فى أعياد الثورة. وكان عبد الناصر، أذكى من أن يترك الخصومات الفنية تنخر وجدان الأمة، وجمع القطبين أم كلثوم وعبد الوهاب، وأنهى سنوات القطيعة، فى «لقاء السحاب» أغنية «أنت عمرى»، وكانت لحظة تصالح وطنى أسعدت المصريين والعرب جميعًا، وأثبتت أن الزعيم الحقيقى لا يهتم فقط بالسياسة، بل بالمزاج العام للأمة. أم كلثوم نفسها التى مدحت الملك فاروق فى أغنية «يا ليلة العيد»، ومنحها نيشان الكمال، رفعها عبد الناصر إلى مقام «الهرم الرابع»، وغنت له «يا جمال يا مثال الوطنية»، وشدت بمرثية أبكت الملايين يوم رحيله فى قصيدة نزار قبانى «عندى خطاب عاجل إليك». وأضاف إليهم عبد الحليم حافظ، وكمال الطويل، ومحمد الموجى، وصلاح جاهين وغيرهم، وجمع حليم وأم كلثوم تحت مظلته، رغم الحرب الدافئة بين جمهورهما، غنوا للثورة وغنى خلفهم شعبٌ بأكمله. ومحمد حسنين هيكل، الذى كتب للملك فاروق، مقالًا قبل الثورة عنوانه «فى يوم عيدك يا مولاى»، صار الكاتب الأقرب لعبد الناصر، وكتب خُطبه المهمة، ومنها خطاب التنحى بعد النكسة حين رفض الهزيمة، وصاغ عبارات هزّت الوجدان، ولم يسأله عبد الناصر: ماذا كتبت بالأمس؟ بل ماذا تستطيع أن تفعل اليوم لمصر؟ وفي عيد العلم، كان عبد الناصر، يُكَرِّم طه حسين والعقاد وتوفيق الحكيم، وأم كلثوم وعبد الوهاب، ونجوم الفن والثقافة، إيمانًا بأن العلماء والفنانين هم خط الدفاع الناعم عن الوطن، وحملوا مشروعه إلى القلوب.