ينشغل العالم بالتهديدات الأمريكية الموجهة إلى إيران، فيما يراقب أبناء الإقليم ردود الفعل الإيرانية، والترقب الإسرائيلى الذى يسبق ضربة أمريكية محتملة تستهدف النظام الإيرانى، الذى تطمح تل أبيب إلى إزاحته. وبين شد وجذب فى واشنطنوطهران، وتصريحات للرئيس الأمريكى دونالد ترامب، تحمل الشىء ونقيضه، بشأن توجيه ضربة عسكرية لإيران أو التراجع عنها فى اللحظة الأخيرة، إذا استجابة طهران لضغوطه المتعلقة ببرنامجها النووى وسلاحها الصاروخى، تبرز معركة جانبية، لكن ميدانها هذه المرة العراق، وإن كانت متشابكة مع الملف الإيرانى. البداية كانت مع إعلان «الإطار التنسيقى»، وهو تحالف القوى الشيعية الأكبر فى البرلمان العراقى، (السبت 24 يناير 2026) ترشيح رئيس الوزراء الأسبق نورى المالكى لتولى رئاسة الحكومة المقبلة، وهو الاختيار الذى جاء عقب تنازل رئيس الوزراء الحالى محمد شياع السودانى، زعيم «ائتلاف الإعمار والتنمية»، رغم حصده فى الانتخابات التشريعية التى جرت فى 11 نوفمبر الماضى، الكتلة الأكبر من نواب «الإطار التنسيقى» البالغ عددهم 175 نائبا من أصل 329 مقعدًا. وقبل التوافق الكردى على اسم رئيس الجمهورية، الذى يعد من استحقاقهم وفق نظام المحاصصة العراقى (الرئيس كردى، رئاسة الوزراء للشيعة، ورئاسة البرلمان للسنة)، استبق ترامب هذه الخطوة بإعلان رفضه اختيار المالكى رئيسا للحكومة العراقية، فى موقف اعتبره العراقيون تدخلا مباشرا فى شئونهم الداخلية. ووصف ترامب ترشيح المالكى بأنه «خطأ فادح»، قائلاً عبر منصته «تروث سوشيال»: «أسمع أن العراق العظيم قد يرتكب خطأً فادحًا بإعادة نورى المالكى رئيسا للوزراء». وأضاف: «فى عهده السابق، انزلقت البلاد إلى الفقر والفوضى العارمة، ويجب ألا نسمح بتكرار ذلك». لم يكتفِ ترامب بهذا الحد، بل هدد بوقف المساعدات الأمريكية للعراق، قائلاً: «إذا لم نكن حاضرين لتقديم العون، فلن يكون للعراق أى فرصة للنجاح أو الازدهار أو الحرية»، قبل أن يختم بتعبير «لنجعل العراق عظيمًا مرة أخرى». فى المقابل، رد المالكى برفض ما وصفه ب«التدخل الأمريكى السافر»، مؤكدًا تمسكه بالترشح لرئاسة الحكومة استنادا إلى قرار «الإطار التنسيقى»، ومعتبرا أن التهديد الأمريكى لا ينسجم مع طبيعة العلاقات بين الدول. ووفقا لصحيفة الشرق الأوسط، فإن موقف ترامب الرافض للمالكى سبقته رسالة أمريكية وجِهت إلى أطراف عراقية، حذرت من تشكيل حكومة لا تتجه بوضوح نحو تقليص النفوذ الإيرانى داخل مؤسسات الدولة. وفى تعليق على هذا الموقف، قال الكاتب الصحفى عبد الهادى مهودر، نائب رئيس صحيفة الزوراء العراقية، إن مثل هذه الاتهامات بالولاء لهذا الطرف أو ذاك تتكرر دائما فى المشهد العراقى، فهناك من يتهم بالولاء لإيران، وآخر لقوى عربية، وثالث لتركيا. وأضاف مهودر، فى حديث هاتفى جرى بيننا، أن الانتخابات التشريعية الأخيرة أفرزت خريطة سياسية جديدة فى العراق، واختيار المالكى جاء ضمن «الإطار التنسيقى» صاحب الكتلة الأكبر فى البرلمان، مشيرا إلى أنه ورغم وجود بعض التحفظات داخل الإطار، فإن المالكى يظل مرشح الغالبية. ويرى مهودر أن تغريدة ترامب تمثل «تدخلا حقيقيا فى الشأن العراقى»، لأن اختيار المالكى نتج عن عملية انتخابية داخلية، مؤكدا أن مثل هذا التدخل مرفوض فى أى دولة، وليس فى العراق فقط، إذ لا يمكن القبول بفرض اسم أو منع آخر من الخارج. لكن إلى أى مدى يمكن أن تذهب تهديدات ترامب؟ يتساءل الكاتب العراقى، مشيرا إلى أن وزارة الخارجية الأمريكية والقائم بأعمال السفارة الأمريكية فى بغداد، جوشوا هاريس، حاولا لاحقا التخفيف من حدة تصريحات ترامب، مؤكدين أن واشنطن لا تتدخل فى القرار العراقى أو سيادته، مع الإشارة فى الوقت نفسه إلى أن للولايات المتحدة مصالحها. ومع إخفاق البرلمان العراقى، حتى الآن، فى انتخاب رئيس للجمهورية بسبب الخلافات الكردية، يبقى ترشيح المالكى، الذى شغل منصب رئيس الوزراء لولايتين متتاليتين بين عامى 2006 و2014، معلقا إلى حين انتخاب رئيس الجمهورية، الذى يمتلك صلاحية تكليف مرشح الكتلة الأكبر بتشكيل الحكومة. وفى المحصلة، تبدو معركة ترشيح المالكى أبعد من كونها استحقاقا داخليا عراقيا، بل اختبارا جديدا لتوازنات النفوذ بين واشنطنوطهران. وبين ضغوط خارجية وحسابات داخلية معقدة، يبقى العراق ساحة مفتوحة لتقاطع المصالح، حيث لا انتصارات نهائية، ولا هزائم مطلقة، بل تسويات مؤقتة تحكمها قاعدة: السياسة فن الممكن.