حين يُذكر جمال عبد الناصر فى يوليو شهر الثورة، تُستدعى معه روح القائد الوطني، وحين يُذكر اسم أم كلثوم نتذكر أسطورة الصوت الذى وَحَّد أمة، وبين الزعيم والمطربة علاقة تجاوزت حدود السياسة والفن، لتصبح رمزًا للوعى والنهضة والانتماء. فى الأيام الأولى لثورة يوليو، ومع نسمات التغيير، جاء مَن يُطالب عبد الناصر منع أم كلثوم من الغناء، باعتبارها رمزًا من العهد الملكى وغنت للملك فاروق، وجاء رد الزعيم حاسمًا: «أم كلثوم ملك لمصر، وليس للملكية»0 لم يكن دفاعًا عن فنانة، بل إعلان مبدأ: الفنان لا يُقصى ولا يتم عزله والإبداع لا يُحاسَب بانتماء سياسى، بل يُحتفى به حين يخدم الأمة، ويقف فى خندق القوة الناعمة الأصيلة. أم كلثوم لم تكن فقط صاحبة صوت يُبهر الملايين، بل كانت وجدانًا وطنيًا حيًا، يقف إلى جوار الوطن فى أشد لحظات القسوة، وحين انكسرت مصر فى يونيو 1967 كانت أول مَن رفع الروح المعنوية للناس والجنود، وكأنها تداوى الوطن بأوتارها. كان الاحترام المتبادل أساس العلاقة بين عبد الناصر وأم كلثوم، والإدراك العميق لقوة الفن فى بناء الوعى الوطنى، ولم يكن حضورها فى المناسبات القومية مجرد احتفال، بل كان رمزيًا لروح مصر المتجذرة فى وجدان أبنائها. وحين غنت: «والله زمان يا سلاحى»، لم تكن مجرد أغنية حماسية، بل نشيد وطنى رفعه الجيش والساسة، وأصبح لاحقًا النشيد الرسمى القديم للبلاد، وحين وقفت على خشبة المسرح، لم تكن فقط تغنى للعملاق محمد عبدالوهاب: «أنت عمرى» و»فكرونى» كانت تُعيد صياغة الشعور الجمعى للمصريين والعرب، وتمنحهم الأمل. وكان اجتماعها التاريخى مع عبد الوهاب فى «أنت عمرى»، لحظة مصالحة كبرى بين مدرستين عظيمتين، لقاء ارتجف له الزمن، وولد منه لحن أصبح رمزًا للعاطفة الناضجة التى تصالح فيها الفن مع ذاته. أما رياض السنباطى، فكان رفيق دربها الأبدى، وأخرجت من ألحانه أروع ما فى روحها، فجاءت أغانيها أشبه بالتراتيل، تخلّد الحب والوطن والمرأة والأمل، وتجعل من كل لحن رسالة. عبد الناصر رغم انشغاله بقضايا السياسة والاقتصاد والتحرر، كان يدرك قيمة الفن ولم يتعامل مع أم كلثوم كفنانة فقط، بل كصوت مصر الأول ومن رموز القوة الناعمة. أم كلثوم لم تكن فنانة فقط، بل كانت ظاهرة وطنية، وأحد أعمدة الهوية المصرية والعربية، وفى وفاتها كانت الجنازة مهيبة، تليق بامرأة لم تكن فقط مطربة، بل رمز لعصر، وشاهدة على تحولات وطن، وبعد مرور عقود، تبقى ذكرى عبد الناصر وأم كلثوم فى وجدان الأمة، ونفتش فى سيرتهما عن المعنى والصدق. صدق عبد الناصر، حين قال: «أم كلثوم ملك لمصر»، لأن صوتها لا يزال يسكن القلوب، يروى التاريخ، ويُذكِّرنا أن الفن حين يتحالف مع الوطن، يصبح ذاكرة لا تموت.