عبد الوهاب أبو زيد لا يدرك الإنسان عادة مدى ضعفه وقابليته للكسر ما دام يرفل فى ثياب الصحة والعافية، بعيدًا عما يمكن أن يعرّض حياته للخطر أو يضعه فى طريق الأذى. ولكن ما بين ذلك وبين نقيضه قد لا يكون هناك حدٌّ فاصل سوى مسافة ثوان معدودة أو «طرفة عين» ينتقل على متنها من حالٍ إلى حال. هذا على وجه الدقة ما حدث للكاتب البريطانى الباكستاني، حنيف قريشي، الذى انقلبت حياته رأسًا على عقب فى لحظات كان من الممكن أن يفقد فيها حياته، وذلك حين فقد وعيه فجأة وهوى على الأرض، وعلى عنقه تحديدًا، ليجد نفسه بعد ذلك فى بركة من الدماء، وليكتشف إثر ذلك أنه عاجز عن الحراك تمامًا ولكن ما فقده فى تلك اللحظات كان أمرًا بالنسبة له يوازى ما لحياته من معنى، وهو قدرته على الكتابة، التى تعنى له كل شيء. ولأنه كان يكتب بيد غيره، فإن الأسلوب الشفاهى هذا قد ترك طابعه على ما كتبه، حيث تبدو الجمل قصيرة وموجزة وبسيطة، ولا يبدو الترابط بين الجمل وتسلسل الأفكار فى حالتهما المثلى هنا فصول من كتاب حنيف قريشى الأخير «المهشم» فى يوم العُلب، فى روما، بعد نزهة مريحة إلى ساحة بيازا ديل بوبولو، أعقبتها جولة فى فيلا بورجيزي، ثم عودتى إلى الشقة، سقطتُ. كنت جالسًا على طاولة فى غرفة معيشة إيزابيلا، وجهاز الآيباد أمامي، وقد شاهدت للتو محمد صلاح يُسجل هدفًا ضد أستون فيلا. كنت أحتسى بيرة عندما بدأت أشعر بالدوار انحنيت للأمام ووضعت رأسى بين ساقيّ؛ استيقظتُ بعد بضع دقائق فى بركة من الدماء، ورقبتى ملتوية بشكل غريب، وإيزابيلا جاثية على ركبتيها إلى جانبي. ثم رأيت ما يمكن وصفه بجسم نصف دائرى مجوّف بمخالب تنطلق نحوي. مستعينًا بما تبقى لدى من قدرة على التفكير، تبين لى أن هذه إحدى يديّ، شيءٌ غريبٌ لا أملكُ عليه أيَّ سلطة. خطرَ لى أنه لا يوجد توافق بين عقلى وما تبقى من جسدي لقد انفصلتُ عن نفسي. ظننتُ أننى أحتضر، وأنه لم يبقَ لديَّ سوى ثلاثة أنفاسٍ أتنفسها. لقد بدت طريقة بائسة ومهينة للموت. يقول الناس إن الحياة تمرُّ أمام عينيك عندما تكون على وشك الموت، لكن بالنسبة لى لم يكن الماضي، بل المستقبل، ما كنتُ أفكر فيه - كل ما سُلب مني، كل ما أردتُ فعله. مستشفى جيميلي، روما أعيش أنا وإيزابيلا فى لندن، لكننا كنا نقيم فى شقتها بروما بمناسبة عيد الميلاد، وهناك سقطتُ، حين كنت جالسًا على الطاولة المستديرة الكبيرة، المُغطاة بالكتب والأوراق، حيث نعمل معًا فى فترات الصباح. من الحمام، سمعتْ صراخى المُذعور، فدخلت واستدعت سيارة إسعاف أنقذتْ حياتى وحافظتْ على هدوئي، جالسة القرفصاء بجانبي. أخبرتها أننى أريد التحدث مع أبنائى الثلاثة عبر فيس تايم ووداعهم، لكن إيزابيلا قالت إنها ليست فكرة جيدة، وأن ذلك سيخيفهم ويرعبهم. لأيام قليلة، كنتُ مُصابًا بصدمة نفسية عميقة، مُشوهًا، وغير قادر على تقبّل نفسي. الآن أنا فى مستشفى جيميلي، روما. لا أستطيع تحريك ذراعيّ وساقيّ لا أستطيع حكّ أنفي، أو أن أجرى مكالمة هاتفية، أو أن أطعم نفسي وكما يمكنكم أن تتخيلوا، فإن فى ذلك من المهانة والإذلال ما فيه، فضلًا عن أنه يجعلنى عبئًا على الآخرين وفقًا لتقرير المستشفى، أدى سقوطى إلى فرط توتر فى الرقبة وشلل رباعى فوري أظهر فحص الرنين المغناطيسى تضيّقًا شديدًا فى القناة الفقرية مع علامات إصابة فى الحبل الشوكى من الفقرة C3 إلى الفقرة C5. ببساطة، عانت الفقرات فى أعلى عمودى الفقرى من نوع من الارتجاج. خضعتُ لعملية جراحية فى رقبتى لتخفيف الضغط على عمودى الفقرى فى مكان الإصابة، ولاحظتُ تحسنًا طفيفًا فى حركتي. ما زلت أتمتع بالإحساس وببعض الحركة فى جميع أطرافي، ولم أُصب بما يُسمى «العجز التام». سأبدأ العلاج الطبيعى وإعادة التأهيل فى أقرب وقت ممكن. فى الوقت الحالي، ليس من الواضح ما إذا كنت سأتمكن من المشى مجددًا، أو ما إذا كنت سأتمكن يومًا ما من الإمساك بالقلم. أقول هذه الكلمات من خلال إيزابيلا، التى تكتبها ببطء على جهاز الآيباد الخاص بها. أنا عازم على مواصلة الكتابة، لم يعد الأمر يهمنى أكثر من الآن. 6/1/2023 لم أكن طفل سعيدًا، لكننى لم أكن تعيسًا أيضًا. ما إن تعلمتُ القراءة حتى أصبحتُ حرًا. كنتُ أذهب إلى المكتبات يوميًا، غالبًا برفقة والدتي، وأدركتُ أن الكتب وسيلة للهروب من محيطى المباشر. سرعان ما تعلمتُ ركوب الدراجة. بمفردي، كان باستطاعتى استكشاف شوارع وحقول الضواحى الريفية شبه الحضرية التى نشأتُ فيها. كانت مقاطعة تُدعى كينت، والتى قُصفت ودمرت تمامًا قبل ولادتى بفترة وجيزة. فى تلك الأيام، كان الآباء أقل صرامةً. كانوا يُعطونك فلسًا واحدًا فى بداية اليوم ولا يتوقعون رؤيتك حتى المساء. كنتُ أركب الدراجة طوال اليوم، وأتوقف أينما أشاء وأتحدث إلى أى شخص يمتلك قصة يرويها لي. وما زلتُ كذلك. العنصر الثالث فى تحررى كان اكتشاف دليل الطباعة الخاص بوالدي. كان والدى نفسه صحفيًا ويكتب الرواية. كانت طباعته النشطة وهو يرتدى قميصه القصير الأكمام الجذاب مثيرة للإعجاب. فى أحد الأيام، اشترى آلة كاتبة صغيرة محمولة فى حقيبة زرقاء، وكان فخورًا بها للغاية. كان يُحركها باستمرار، لأنها خفيفة الوزن، وأعلن على الفور أنه ذاهب إلى فيتنام ليصبح مراسلًا حربيًا مثل همنغواى أو نورمان ميلر. بدأتُ أعصب عينيّ بربطة عنقى المدرسية، ووجدتُ أننى أستطيع كتابة الكلمات الصحيحة بالترتيب دون النظر. كان الأمر مُبهجًا. كنتُ أقرأ «الجريمة والعقاب» فى ذلك الوقت، وهو كتابٌ دائمًا ما يكون مرجعًا مُبهجًا للشاب، وكتمرين، بدأتُ بنسخ صفحات من هذه الرواية الرائعة. فى المدرسة، كنتُ فاشلًا، لكننى وجدتُ أخيرًا شيئًا أستطيع فعله. لم تكن لديّ الرغبة قط فى كتابة قصص تدور فى عوالم محفوفة بالمخاطر، أو قصص مغامرات، أو حكايات مذهلة عن عمالقة، أو أقزام، أو جنيات، أو حوريات بحر. لم أكن أعرف الكثير عن هذه الأشياء، لكننى كنتُ أعرف الناس من حولي. وأعتقد أن ذلك جعلنى أقرب إلى الواقعية. وفى أحد الأيام، وأنا أنظر من نافذة المدرسة، أطلقتُ على نفسى لقب كاتب. وجدتُ أن اللقب يناسبنى تمامًا مثل قميص ملائم. كنت حريصًا على أن يُطلق الآخرون عليّ هذه الكلمة رغم أننى لم أكتب شيئًا بعد. ففى المدرسة، كانت كلمات كثيرة تُطلق عليّ، مثل «براوني»، أو «باكي»، أو «الوجه البغيض»، لذا وجدتُ كلمتى الخاصة، والتزمتُ بها، ولم أتخل عنها أبدًا حتى الآن. اعذرونى للحظة، يتوجب عليّ أخذ حقنة شرجية الآن. آخر مرة دخلت فيها إبرة طبية فى مؤخرتى كانت قبل بضع سنوات. عندما قلبتنى الممرضة وسألتني: «كم من الوقت استغرقت فى كتابة رواية «أطفال منتصف الليل؟» أجبت: «لو كنتُ قد كتبتُ ذلك الكتاب بالفعل، ألا تعتقدين أننى كنتُ سألجأ إلى المستشفيات الخاصة؟». 7/1/2023 قبل الحادثة، حين أستيقظ صباحًا، كان أول ما أفعله هو إعداد قهوتى والصعود إلى مكتبى المُطل على الشارع. حول حافة المكتب، فى أوانٍ مُختلفة وأكواب قهوة قديمة، أضع العشرات من أقلام الحبر، وأقلام الرصاص، وأقلام التحديد؛ كما أحتفظ بزجاجات حبر عديدة، بألوان مُتنوعة، من المُضحكة إلى الرصينة. كنتُ ألتقط قلمًا وأضع علامة على صفحة من ورق سميك جيد، ثم أضع علامة أخرى، فأكتب كلمة، ثم جملة، ثم جملة أخرى، حتى أشعر بشيءٍ ما يستيقظ فى داخلي. كانت الكتابة تتعرج عبر الصفحة بألوان مُتعددة، كما لو أنه كان هناك حادثٌ ما فى فصل دراسي. بينما كنتُ أضع هذه العلامات، بدأتُ أسمع شخصيات تتحدث؛ وإن حالفنى الحظ، فقد يبدؤون بالتحدث مع بعضهم البعض، أو حتى يُسلى بعضهم بعضًا. كنتُ أشعر بالحماس وبأن حياتى أصبحت أخيرًا ذات مغزى. أنا متأكد من أن الرسامين والمهندسين المعماريين والبستانيين يحبون أدواتهم، ويعتبرونها امتدادًا لأجسادهم. آمل أن أتمكن يومًا ما من العودة إلى استخدام أدواتى الثمينة والمحبوبة. معذرةً، فإننى أُحقن الآن فى بطنى بمادة تُسمى الهيبارينا، وهى مادة مُسيّلة للدم. أجد أن الكتابة باليد، بتحريك معصمى على الصفحة - احتكاك الجلد بالورق - أشبه بالرسم منه بالطباعة. لا أرغب فى الكتابة مباشرةً على الآلة، فهى رسمية جدًا. بعد برهة، تدفع كلمةٌ كلمةً أخرى، تليها كلمة أخرى، وقد تتبعها كلمات وجمل أُخر. أجلس على مكتبى مرتديًا بيجامة بول سميث الدائرية، وبعد ساعة، قد يظهر شيء أستطيع استخدامه. عندما أقرأها، عادةً ما يجذب انتباهى شيء ما، فأعمد إلى تحسينه. أعتقد أن هذه الطريقة تُعرف الآن بالكتابة الحرة أو التداعى الحر. تبدأ من لا شيء، وبعد فترة تجد نفسك فى مكان جديد. لا أزال أشعر بيديَّ وكأنهما جسمان غريبان. إنهما متورمتان، لا أستطيع بسطهما أو قبضهما، وعندما تكونان تحت الأغطية، لا أستطيع تحديد مكانهما بدقة. لربما كانتا فى الواقع فى مبنى آخر تمامًا، تتناولان مشروبًا مع الأصدقاء. نُقلت من وحدة العناية المركزة إلى غرفة جانبية صغيرة كئيبة أمامى صورة للسيدة العذراء مريم، والإطلالة من النافذة، التى لا أستطيع رؤيتها بنفسي، هى موقف سيارات، وطريق سريع، وأشجار صنوبر رومانية تشبه المظلات. أقول لإيزابيلا إن ديكور المكان لم يُغير منذ رحيل همنجواي. كنتُ مكتئبًا بالأمس. حين كنت أحاول إملاء هذه الكلمات على إيزابيلا، انتابنى الضجر من بطء الأمر. إنها إيطالية واللغة الإنجليزية لغتها الثانية، لذا فإنها لا تفهم دائمًا ما أقوله. وصل كارلو قريشي، ثانى أبنائى التوأم، إلى إيطاليا، وهو يساعدنى فى هذا الإملاء. إنه فى أواخر العشرينيات من عمره، وهو مثلي، قد درس الفلسفة فى الجامعة. يستمتع بالأفلام والرياضة، وبدأ يشق طريقه ككاتب سيناريو. ما يعجبنى فيه هو قدرته على الكتابة بسرعة عادةً ما أستطيع، بالطبع، كتابة هذه الأشياء بنفسي. حتى أننى أستطيع التهجئة. بدأتُ أنا وإيزابيلا بالجدال تمكث معى فى المستشفى طوال اليوم، وتبدو متعبة ونحيفة، كما يتوقع منها فى هذه الظروف العصيبة. عندما التفتت إليّ وسألتني: «هل كنتَ ستفعل هذا من أجلى يومًا ما؟» لم أستطع الإجابة. لا أعرف. لقد اتخذت علاقتنا منعطفًا جديدًا، لم نكن نتوقعه، وعلينا إيجاد طريقة جديدة لنحب بعضنا بعضًا حاليًا، لا أعرف كيف أفعل ذلك. قبل بضعة أشهر، طلبت منى شركة آبل ميوزيك، نيابةً عن فرقة البيتلز، كتابة مقدمة لكتابهم «ارجع»، ليتزامن مع إصدار سلسلة البيتلز الوثائقية لبيتر جاكسون على ديزني. ولوقت طويل، انتابتنى الحيرة. فماذا عساى أن أقول أكثر عن فرقة البيتلز؟ ثم خطر ببالى أن هؤلاء الشباب الأربعة، مع شركائهم الكثر، استطاعوا معًا تحقيق أشياء لم يتمكنوا من تحقيقها منفصلين. هذه معجزة وتبعية مروعة فى آن واحد ومن خلال تجربتى الخاصة، فإن جميع الفنانين متعاونون. إذا لم تكن تتعاون مع شخص بعينه، فأنت تتعاون مع تاريخ هذه الوسيلة، ومع العصر والسياسة والثقافة التى تعيش فيها. ليس ثمة وجود للأفراد. فى هذا المستشفى الرومانى المهجور نوعًا ما، فى إحدى ضواحى روما، أكتبُ هذه الكلمات محاولًا الوصول إلى شخص ما، وفى الوقت نفسه، أحاول التواصل مع إيزابيلا، لبناء علاقة جديدة من علاقة قديمة. قد تظن أن لديّ ما يكفى من المشاغل. أتمنى لو أن ما حدث لى لم يحدث أبدًا، لكن ما من أسرة على هذا الكوكب تنجو من الكارثة أو المصيبة لكن من بين هذه الانقطاعات غير المتوقعة، لا بد من وجود فرص جديدة للإبداع. لو أنك كنت معى الليلة، يا من تقرأنى الآن، لسكب كلٌّ منا كأسًا كبيرًا من الفودكا مع مشروب غازيٍّ، وشربنا، واحتضن بعضنا بعضًا مع بصيص من الأمل.