لا أقارن بين التجربة المصرية فى «الفن والسياسة»، أيام الرئيس جمال عبدالناصر الذى رفع شعار «فنانو مصر ملك لمصر وليس لنظام الملكية البائد».. وبين ما يحدث في سوريا الآن من خوف وأسف وندم واعتذار من كبار الفنانين السوريين الذين كانوا يؤيدون نظام الأسد. سيل من الاعتذارات ليس دعما وتأييدا للنظام الجديد، بقدر ما هو خوف من الانتقام والمطاردة والملاحقة والدعوة الى المحاكمة على خلفية اتهامات بتضليل الرأى العام وتأييد النظام القمعى، الضغط الشعبى المتزايد والتطورات الميدانية والسياسية. الخوف يقتل الإبداع ويدمر القوة الناعمة لأى دولة، وعندما يشعر الفنان بفقدان الأمان على نفسه وأسرته، فهذا إنذار مبكر بالعزلة الثقافية والفنية، والانزواء وراء أسوار الصمت والانسحاب، ولم تكن سوريا فى يوم من الأيام إلا صوتا مؤثرا يمتع الوجدان العربى بأعذب الألحان. لم تعتذر أم كلثوم وعبد الوهاب عن الغناء للملك، ولم يبادر الرئيس عبدالناصر برفع سيف الإقصاء وقطع الرقاب، ومنح فنانى مصر ومثقفيها الأمان، فصاروا صوت الثورة والحرية والاهداف النبيلة التى قامت من اجلها. وأتمنى ان تتسلح الحالة السورية بنفس الروح، وتنزع الخوف من نفوس المثقفين والفنانين الذين بادروا بالاعتذار خشية الانتقام والملاحقة، وأشهرهم دريد لحام الذى اعتذر علنا عن تأييده النظام السابق، وسولاف فواخرجى التى حذفت صورة تجمعها ببشار، وأيمن زيدان الذى صرح علنا بندمه وأسفه على دعم النظام السابق، وآخرون أخذوا أسرهم وهاجروا خارج البلاد. لا نقارن بين فنانى سوريا وبين أم كلثوم وعبد الوهاب، ولا بين جمال عبدالناصر وأحمد الجولانى، لا وجه للمقارنة ولكن مناقشة موقف الفنانين من القضايا السياسية فى محيط متقلب، وهل يشاركون ويتحملون العواقب، أم يبتعدون تماما عن السياسة؟ جمال عبد الناصر احتضن محمد عبد الوهاب الذى غنى للملك فاروق «ياللى آمال الشباب ترويها إيدك.. الليلة عيد الشباب.. الليلة عيدك»، وأصبح عبد الوهاب ملهماً للثورة، وعازفاً أمجادها ألحاناً حماسية على كل لسان. وعبد الوهاب هو الذى لحن لجمال عبد الناصر بمناسبة نجاته من حادث المنشية «تسلم يا غالى ألفين سلامة.. كانت ليالى مجد وكرامة.. صحّيت بلادك من نوم طويل.. وجهادك ملوش مثيل». لا نقارن بين الملك فاروق وبشار الأسد ولا بين الظروف التاريخية والسياسية فى البلدين، ولكن الدروس من أجواء الطمأنينة والأمان عند تغيير أنظمة الحكم، وتحصين المجتمعات ضد دفع الفواتير وتصفية الحسابات، وأن يوظف الفنان فنه لخدمة وطنه، كملهم للحماس والوطنية. كل ما نتمناه أن يحفظ الله سوريا وشعبها وأن تعود قوية ومتعافية، وأن يحمى فنانيها ومثقفيها من كل سوء، بعيدا عن التطرف والإرهاب والدعوات المتصاعدة للانتقام والفوضى، وأن تنتهى سنوات المعاناة، ويعود أبناؤها المهاجرون الى بلادهم، للبناء والتعمير والخير.