كل عام وأنتم بخير، انتهى عام وبدأ آخر، نتمناه عام خير وأمن وأمان على مصر والمصريين، وها هى بشائر الخير تهب علينا من عام 2025 قبل وداعه لتدلف إلى عام 2026 من بدايته تطمئن المصريين على الخير القادم فيه، ولعل أفضل ختام لعام منصرم، وأفضل بداية لآخر مقبل ما أعلنته وزارة السياحة والآثار من أرقام سياحية مبهجة للعام المنتهى 2025، حاملة تقريرًا ختاميًا يؤكد أن السياحة المصرية حققت قفزة وطفرة تاريخية على كل مستوياتها. معدلات النمو تعود للعصر الذهبى آن الأوان للخروج من دائرة المقاصد الرخيصة ..والتدريب والجودة كلمة السر وهنا نستعرض تلك الأرقام ببعض دلالاتها ومؤشراتها، ثم نعرج إلى محاولة توضيح أهم الأسباب التى قادت لتلك الطفرة، ونختم ببضع أفكار ومقترحات تضمن استمرار معدلات النمو وربما أكثر فى العام الجديد، لنكتشف صدق الأوصاف التى تطلق على السياحة، ومنها «السياحة تمرض ولا تموت» فمهما طالها من فترات عجاف فهى قادرة على التعافى والعودة، كما تثبت السياحة بمصر دائمًا أنها «قاطرة التنمية» التى لو مهدنا لها الطريق ستنطلق وبقوة باقتصادنا القومى كله وتسهم فى تحسين أحوال المصريين. معدلات النمو والزمن الجميل وطبقًا لما أعلنته الوزارة فى بيانها الصحفى مؤخرًا، فقد استقبلت مصر العام المنتهى 19 مليون سائح بمعدل زيادة 21٪ عن 2024 وهو 4 أضعاف معدل النمو العالمى والذى قدرته منظمة السياحة العالمية ب 5٪.، وتكمن الأهمية هنا فى تأكيد عودة مصر لعهدها السياحى المزدهر قبل أحداث يناير 2011.. كما أن تلك الزيادة والنمو تؤكد قدرة مصر التنافسية، وما تتمتع به من عوامل جذب سياحى متعددة أبرزها تنوع الأنماط والمنتجات السياحية التى لا مثيل لها بالعالم، مع تحسين جودة الخدمات السياحية، وتؤكد كذلك وبقوة ثقة السائحين حول العالم كله بمصر خاصة مع وصول رحلات طيران سياحية من 193 مدينة حول العالم للمقاصد المصرية المختلفة. ملف الطيران بين الجرأة والاستمرار وهناك أرقام أخرى مفرحة للمصريين، منها 32٪ نموًا برحلات الطيران العارض «الشارتر» لمصر، وأهميته أن الشارتر ينقل حوالى 70٪ من الحركة الوافدة، كما يعكس أهمية التيسيرات التى تمنح للشارتر والتى كانت مسار جدل، شريطة أن تكون مدروسة وبأسس تضمن الاستفادة الكبرى للسياحة. وتؤكد تلك المعدلات من جديد ضرورة أن تقتحم مصر هذا المجال الغائبة عنه تمامًا، وأن نبدأ بالتعاون بين الحكومة والمستثمرين إنشاء شركات طيران خاص «منتظم وشارتر» مصرية نضمن ولاءها لمصلحة السياحة والطيران ببلدنا. ولعل هذا الأمل يقترب فى وجود رغبة حقيقية للدولة مع وزير سياحة بخلفية قيادية وزارية وأيضًا مهنية مهمة بالطيران «شريف فتحى» ووزير طيران متعاون ومتفهم لتطورات السياحة والطيران «سامح الحفنى» وقد بدأت الحكومة إقتحام ملف الطيران بجرأة وقوة نتمنى أن تسرع الخطى وتواصل الجرأة المحسوبة وصولًا للأهداف المنشودة لصالح القطاعين «السياحة والطيران» وعندما نقول جرأة فإننا نقصدها، فالمطالبة بتطوير المطارات وإيجاد نظام جديد لإدارتها، وكذلك إنشاء شركات طيران خاص ومنحها الفرص الحقيقية والتيسيرات الداعمة مطروح من سنوات طويلة، لكن تحطم عدة مرات على صخرة بعض الأصوات المثبطة والعالية والخالية من أى منطق، لكن حكومة د. مصطفى مدبولى وبدعم من القيادة السياسية اقتحمت الملف بالجرأة التى ذكرتها، بقى أن تتواصل تلك الجهود ولا تهدأ مع بالطبع دراسات ووعى مطلوبين. المتاحف والآثار وتحول تاريخ وقد كشفت الأرقام نموًا بزيارة المواقع الأثرية والمتاحف بلغ 33.5٪ لتستقبل 18.6 مليون سائح، بخلاف ما حققه المتحف الكبير ومتحف الحضارة، وهنا نحتاج صفحات لنتحدث أولًا عن كيفية الاستفادة من المتاحف والمواقع الأثرية، وثانيًا عما حدث بهما من تطوير، ليس وليد اليوم ولكن سنوات وعقود سابقة، نجنى حاليًا ثمارها، ونذكر بالخير الدكتور خالد العنانى الأمين العام حاليًا لمنظمة اليونسكو وما وضعه من بذور طيبة عندما كان وزيرًا للآثار بتطبيق الفكر الاستثمارى والاقتصادى بالمتاحف والمواقع الآثرية مع الحفاظ على قيمتها ومكانتها وخصائصها، وتحقق اليوم ربحًا كبيرًا. العلمين شاهد على العصر ومن ضمن الأرقام التى تناولها بيان الوزارة، ما تم من نمو وطفرة مستحقة بالعلمين الجديدة ونسبة نمو بحركة الطيران الشارتر تتجاوز 450٪ طفرة سياحية دولية دليل ليس نجاحًا لقطاع بقدر تأكيد لجهود دولة فى خلق كيان عملاق من العدم فعلًا، وما يتم على أرض العلمين بكافة تفاصيله وملامحه وتفريعاته شاهد على حاضر أمة ومستقبل شعب ووطن. والحديث يطول عن مجالات عديدة لكيفية زيادة الاستفادة من العلمين الجديدة وخلق أنشطة وأنماط سياحية منها «العلاجية والمؤتمرات والمعارض وسياحة الحوافز بكافة صورها والتعليمية والتثقيفية والصحراوية والبحرية وسياحة اليخوت والسفن العملاقة» وغيرها الكثير مما يحتاج إلى جهد وفكر لتصبح العلمين منطقة جذب سياحى عالمى على مدار العام وليس صيفًا فقط. كيف تحققت؟ وعندما ننظر بتمعن لتلك الطفرة السياحية، نجد أنها أولًا ليست وليدة جهد العام نفسه، وإنما منذ سنوات، وثانيا هناك أسباب عديدة مهنية وغيرها وفى مقدمتها التغيير الاستراتيجى لنظرة الدولة بمفهومها الشامل إلى صناعة السياحة، بعد أن اكتشف الجميع أهميتها عقب أحداث يناير. وهنا بلا مبالغة وبحقائق دامغة، فإن السياحة تدين بالفضل الأكبر فيما تشهده من طفرات إلى الرئيس عبد الفتاح السيسى لعدة أسباب، أولها وأهمها سياسات مصر فى عهد الرئيس والتى أفرزت الاستقرار والأمن والأمان بربوع مصر كافة، وثانيًا التنمية الشاملة التى تخدم أول ما تخدم صناعة السياحة، من طرق تربط أوصال مصر خاصة مقاصدها السياحية، إلى وسائل نقل حديثة ومتطورة، لتسهيل حركة المصريين والسائحين بين مدنها، ومدن عالمية التصميم والفكر وشاهدنا العلمين نموذجا، وفى الطريق الجلالة والعاصمة الإدارية وغيرهما، إلى تطوير الشوارع والمبانى والطرق، مرورًا بالمستشفيات والخدمات المختلفة، والميكنة التى تغزو كل المجالات وتستفيد منها مؤكدًا السياحة، إلى الصورة الذهنية الرائعة عن مصر ومكانتها إقليميًا ودوليًا وبعدها عن الصراعات وتقاربها مع كل القوى الدولية، ناهيك عن حرص الرئيس على التجول بضيوفه بالأماكن السياحية والتراثية والفلكلورية مما له الأثر الكبير بتحسين الصورة ومضاعفة الرغبة فى زيارة مصر. نأتى إلى الاهتمام الحكومى بالسياحة، ومن خلال تغطيتى لهذا النشاط الإقتصادى ما يزيد على ربع قرن، أؤكد أن ما تلقاه السياحة حاليًا من اهتمام حكومى غير مسبوق على الاطلاق، ويكفى أنها حاضرة تقريبًا أسبوعيًا فى مؤتمرات الدكتور مصطفى مدبولى رئيس الوزراء وكل أسبوع حديث عن فكر جديد ومشروعات وخطط وتيسيرات وقرارات جديدة، بالطبع ينتظر القطاع الخاص المزيد من الاهتمام والدعم، لكن جاحد مَن ينكر الاهتمام غير المسبوق، انعكس هذا الاهتمام على حل مشاكل عالقة منذ سنوات وصدور قرارات حلم بها القطاع منذ عقود، وزيارات دورية وجولات ميدانية يحرص عليها د.مدبولى منذ توليه رئاسة الوزارة. أما بعد: بعد هذا الاستعراض، علينا التفكير وفورًا فى كيفية الحفاظ على تلك الطفرة بل ونزيد معدلاتها، وهذا أمر ليس صعبًا، فمصر تستحق الكثير ولم تحصل بعد على نصيبها المستحق من السياحة الدولية الذى يتناسب مع إمكانياتها التى لا مثيل لها فى العالم. لابد من اجتماع عاجل بين الوزارة والقطاع الخاص يمكن أن يدعو إليه اتحاد الغرف السياحية والوزارة معًا لدراسة الإيجابيات الموجودة لتعظيمها، والحديث الصريح عن كل السلبيات للبدء فى حلها وتلافيها، فنحن وبحق أمام فرصة تاريخية لتحقيق انطلاقة سياحية عظمى تكون أساسًا يصعب التراجع عنه. بداية ما نحتاجه وضع حلول وسط ما بين بدء الحكومة فى فرض رسوم متنوعة ومتعددة باعتبار أن النمو فرصة لذلك، وما بين مطالبة القطاع الخاص باستغلال الطفرة وإلغاء الالتزامات بل وتقديم تسهيلات لمضاعفة النمو. الدخل السياحى بالطبع زاد، لكن لنكن صرحاء، مصر تستحق دخلًا سياحيًا أعلى بكثير، ولابد أولًا أن نخرج تمام من دائرة المقاصد الرخيصة وهذا يتطلب تحسين الجودة والاهتمام بالتدريب حتى تزيد الاسعار، وهنا نصل إلى نقطة فاصلة بهذا الملف ألا وهى ظاهرة حرق الأسعار المقيتة التى وصفتها سابقًا بالخطر الداهم على أمن مصر القومى لما تهدره من مليارات الدولارات. نحتاج مزيدًا من الفكر والجهد، سواء لحل مشاكل النقل السياحى وتحقيق زيادة مطلوبة وضرورية فى الأتوبيسات السياحية، أو الاهتمام بتنوع وسائل التنقلات الداخلية، ولعل تشغيل المشروعات العملاقة بهذا المجال تحل تلك المشاكل. لابد من المزيد من التواصل بين الحكومة والقطاع الخاص وهذا دور الوزير شريف فتحى وأعلم أنه يبذل جهدًا كبيرًا فى هذا الأمر.. وإذا كنا نطلب مضاعفة عدد الغرف السياحية فأعتقد أنه آن الأوان أن نقف ونتحدث بصوت عالٍ وصريح فى موضوع تخصيص الأراضى للاستثمار السياحى والذى يعد شبه متوقف منذ سنوات عديدة والكل يعرف الأسباب، وننتظر إرادة الحل. وختاماً فإننا لا نعرف كيف تسير الدعاية السياحية حاليًا وهل هناك حملات دولية من عدمه، لكن ما يمكننا المطالبة به والتأكيد عليه ضرورة الاهتمام بصورة أكبر بالأساليب الحديثة للدعاية ووضع دراسة علمية لما يتطلبه ذلك واستغلال اسم مصر وشهرته دوليًا.