فى عزّ الشدّة وجرائم الإخوان، خرجت العبارة الخالدة «كنائسهم مثل مساجدنا»، فأطفأت نار الفتنة، ووقف الوعى حارسًا أمينًا على الوحدة الوطنية، يحمى النسيج المتماسك لهذا الوطن. وفى عز البرد ليلة رأس السنة، كان الخروج الكبير لملايين المصريين إلى الشوارع والميادين والأماكن العامة للاحتفال بأعياد الميلاد رسالة واضحة، إننا نتقاسم الأفراح، كما نتلاحم فى الأزمات والشدائد. وبعد أيام يحل شهر رمضان الكريم، فتظهر وجوه أخرى للأخوة فى موائد الرحمن التى يقيمها المسيحيون لإخوتهم المسلمين، وزينات تتدلى على واجهات الكنائس، ومشاهد مشاركة بسيطة لكنها صادقة. من هذه الخلفية يمكن قراءة المشهد المصرى، فكلما ارتفعت أصوات التحريض وحاولت الشائعات العبث بالعقول، يظهر المعدن الأصيل للناس، المسلم يقف إلى جوار القبطى لأن الوطن أكبر من النزاعات الصغيرة، ولأن التجربة التاريخية علمتنا أن مصر لا تُصان إلا بوحدة أبنائها. وفى تفاصيل الحياة اليومية يبدو المشهد أكثر وضوحًا، الناس يخرجون فى الصباح نفسه، يركبون المواصلات نفسها، ويبحثون عن لقمة العيش بعرق الجبين، لا ملابس تُمَيِّز ديانة عن أخرى، والهوية الجامعة واحدة، مصريون يجمعهم الحلم ببيت آمن هو وطنهم الكبير. وفى المناسبات الدينية، تتقدم المشاعر الإنسانية على ما عداها، المسلم يزور صديقه القبطى ليهنئه، والقبطى يشارك جاره فى الأعياد الإسلامية، وفى لحظات الحزن، تتلاحم المشاعر فى واجب أخلاقى يسبق كل اعتبار. هذه الروح لم تُبنَ صدفة، فالمصريون عاشوا عبر قرون طويلة على ضفاف نهر واحد، زرعوا أرضًا واحدة، وواجهوا المصير نفسه، ومع كل محنة ازداد الوعى بأن قوة الدولة من قوة تماسكها، وأن الحفاظ على الوطن يبدأ من احترام الاختلاف والتمسك بالقيم التى تجمع ولا تفرّق. وتبدو محاولات التفريق بين المسلم والقبطى كمحاولة لفصل النهر عن مجراه، ما يجمعنا أكبر من الشعارات العابرة، إنه تاريخ عريق، وحاضر مشترك، ومستقبل لا ينهض إلا بأيدٍ متكاتفة، وتبقى الحقيقة راسخة: الكنائس مثل المساجد، والوطن يسع الجميع، وكلمة «مصرى» تظل العنوان الأسمى لهذه الوحدة المباركة. وتحتفظ الذاكرة الوطنية بمحطات مشرفة كثيرة تؤكد هذه المعانى، وتضم أبناء الوطن بلا تمييز، وحين احتاجت البلاد إلى مَن يدافع عنها، حمل المسلم والقبطى السلاح فى خندق واحد، ودفعا الثمن معًا من الدم والتضحيات. هذه الصفحات تظل شاهدًا على أن العيش المشترك ليس شعارًا، بل ممارسة يومية وجذور ضاربة فى عمق المجتمع، ومع ما يواجهه العالم من تحديات اقتصادية وفكرية، يظل الرهان الأكبر على وعى المصريين وقدرتهم على حماية بيتهم الواحد.الوحدة هى الضمانة الحقيقية لعبور الأزمات وصناعة الغد الذى نستحقه جميعًا، وبقدر ما نحفظ هذا المعنى، نبنى دولة أقوى، ومجتمعًا أعدل، ومستقبلًا يليق بتاريخنا لكل أبنائه دون استثناء.