محمد أحمد الشواف فتح عينيه على الشمس وصوت الصِّبية يدور حواليه، لم يحدد إن كان لهوًا أو صراخًا، لكن تملّكه فزع. أغمض عينيه وسار مترنحًا يحاول جاهدًا تفادى الشمس، اقترب من الصوت وكان الصوت يقترب منه، لم يكن الصوت لصِبية بل هو صوت جهورى فصيح: - عبايات صوف بُلغ تلافيع نشترى أى حاجة ونبيع - العيال فين - خُد عباية يا حج أدار الحاج ظهره والصوت يلاحقه: - خد تلفيعة يا حج اجتذبته رائحة البصل المشوى معبقة برائحة القش المحترق استقرت القلة فى جوفه ونادى: - محمود - ...نشترى أى حاجة ونبيع فى داخل الدار فرن التصقت بفوهته رأس الست سكينة ترمى العجين وتتلقاه خبزًا، بينما تتفادى النيران بسيخ حديدى تخمد به ثوراتها، وتلقى تعليمات مقتضبة لفتاة من الجيران اسمها رحاب، تخدم بلا مقابل لكنها غلبانة. - محمود كان محمود يجر عربة من الطين صنعها بينما أبوه يجاهد الشمس فى الغيط. «ونبيع»... جاءه الصوت من بعيد، لكن صورة الجوال أمامه حاضرةً تأبى أن تختفى إلا بعد أن يشترى. طلب من محمود بصلة مشوية، فجرى إلى الداخل وترك عربته أمام أبيه، قلبها على جانبيها وأخذ يلعب بها يختبر قوتها، ثم لعب بها متسليًا حتى تفسخت، فلعب فى أنفه اختفى صوت الرجل الذى أيقظه من أحلى نومة، فلعنه ولعن صلاح، وسكينة كذلك التى تأخرت عن تحضير الطعام، لو كان شاف رحاب لما لعنها لأنها حقًا غلبانة. جاء محمود بيدين مليئتين بالخير، باليمنى قرص أبورى وباليسرى بصلة مشوية تجعدت من أثر الشواء، وفمه يلوك الأبورى لا شك، وإلا فأسنان من قصّت حواف القرص؟ ناول أباه البصلة ووقعت عيناه على العجلتين المتفسختين بعد محاولة يائسة من أبيه لإصلاح العربة. قشر الأب البصلة بتركيز لا داعى له ثم صاح فى الولد: - روح ورا أبوك الحج قوله عايزين بُلغ. تلكأ محمود محاولًا إصلاح العربة لكن خبطه أبوه من ظهره فانطلق نحو الصوت؛ وهو الذى ترجى أباه يومًا ليشترى له بُلغة وصديرى من سوق الإثنين، حينها تلقّى شتمة معتادة وذهب مع أبيه الغيط. تراصت شلتتان محملتان بعيش الغلة، غطتها الست سكينة بجلابيب نظيفة، بينما كانت رحاب تأكل العيش والجبن القديم من أمام الفرن بحرج شديد، لكنها كانت جوعانة، حتى أن الحُمرة المصبوغ بها وجهها من صهد الفرن أكدت على جوعها بشكل مخادع، بنفس مقدار تأكيدها على غُلبها. حضرت صينية محمولة على رأس الست سكينة تزينها أرغفة الخبز الطازج، تابع نزولها من أعلى الرأس إلى الحصير الجالس عليها. عاين طبقًا بعد طبق ثم أخذ فى تذوق العيش حاف وطلب عسلًا أسود. جاء العسل الأسود ثم ظهر الرجل فى الشارع على عربته وخلفه محمود يجر قدميه فى بلغة واسعة وفى مقدمتهم جميعًا حمار لم ينتبه أحد إلى وجوده. وقفت لقمة فى زوره لثانية ثم انزلقت وهو يتابع الرجل القادم ببشاشة وظفر. قبل أن يحييه، تأكد أنه شتم محمود جيدًا بغير سبب، ظن الجميع أنه بسبب البلغة التى يجرها فى قدميه. سمعت رحاب الشتمة وشعرت أنها أصبحت مكشوفة للجميع ولم يعد من داعٍ للاختباء. بلعت اللقمة وتسمّرت مكانها فى انتظار قرار خروجها ربما يطردونها. جلس الجوال مثل المزمار بعد الزفة، لو نُفخ فيه لغنى: «عبايات صوف بُلغ تلافيع نشترى أى حاجة ونبيع»، لكن لم ينفخ فيه الحاج وإن بدا ذلك مثيرًا للتجربة كان محمود ما زال يجر قدميه وكان فرحانًا بخط الغبار الذى يثيره بالبُلغة. - يا بن الكلب خد تعا دست الست سكينة خمسة أرغفة فى جلباب رحاب، وهى خرجت فى الحال من باب الزريبة، رغم أن الوصول إلى بيتها أقرب من باب الدار. رفست إحدى البهائم مؤخرتها فضحكت سكينة خلفها لكنها شتمت البهيمة بصوت عال غطى على أثر الضحك، لكنها تذكرت أن رحاب غلبانة، فشتمت البهيمة بينها وبين نفسها. عاد محمود وقد تغطى بالتراب حتى أن البُلغة الجديدة فى قدميه انطفأت لمعتها فى خضوع مُذلّ لما مرت به، أكدت هذا نظرات الحاج والجوال. خلعها من قدميه وبصق عليها ثم أخذ فى مسحها بطرف قميصه فتوزع الطين عليها وكان حريصًا أن يشاهداه وهو يقوم بهذا العمل رغم أنه كان يزيد الطين بلة. كاد أبوه يقذفه بطبق المش ولكنه شتمه بدلا من ذلك، فدخل كالمقذوف من خلال باب الدار متظاهرًا بالبكاء، لكن باحثًا عن قرص أبورى آخر. كان الجوال يشعر بالحيرة حيال هذا العراك حتى ضحك ضحكة لا معنى لها، ثم تناول العيش وغمسه فى المش شاعرًا بخيبة الأمل، كأن خطة ما لم يُتح لها التنفيذ. منذ اللحظة التى استيقظ فيها الحاج من قيلولته بشكل طارئ، لم تبرحه فكرة العودة إليها حتى ولو فى عقله الباطن، حتى ليُمكن القول إنه لم يكن ليكيل الشتائم إلا لأن ساعة قيلولته قد انتُهكت، ولم يطلب العسل الأسود إلا لمقابلة شعور المُر فى حلقه ومقاومة السقوط كطفل، ولم يلعب بالعربة الطينية إلا تعزيةً عن فقدان ساعة القيلولة. كان من الواضح أيضًا أنه لم يكن جادًا بشأن استقدام الجوال. بعد حين سوف تستأنف ساعة القيلولة دورتها لتبتلع اليوم كله فى حُلمٍ لن يظهر فيه سوى حمار الجوال مبتعدًا، على ظهره صوت ينادى: «عبايات صوف، بُلغ، تلافيع، نشترى أى حاجة ونبيع».