span style="font-family:" Times New Roman","serif""ظلت النخب لفترة طويلة من حياة المجتمعات واضحة الوجود والتميز، من حيث الماهية (من هم) ومن حيث التأثير والتوجيه، ولكني لا يمكنني -بشكل قاطع- تحديد السياق الذي شُحن فيه هذا المفهوم بدلالات سلبية، ليغدو في الوعي العام مقصورًا على فئة الكُتّاب والمثقفين الذين لا يدّعون قدرتهم على تمثيل الناس، وتمثيل الثقافة، ولا يرضيهم أي إنجاز، وربما لا يدركون بشكل كافٍ - الواقع الذي يعيش فيه الناس. span style="font-family:" Times New Roman","serif""والعجيب أن هذه الدلالة السلبية التي لحقت المفهوم تتعمَّد إغفال الأثر الهائل للنخبة الحاكمة سواء أكانت عسكرية أم مدنية، رغم أنها بطبيعة الحال الأكثر تأثيرًا على الوعي، بحكم مواقعها المتقدمة، وما تمتلكه من قدرة على تحويل الأفكار إلى دساتير وقوانين، وما تمتلكه من سلطة الإجبار على التغيير، بل ومعارضتها لأي أصوات تنتقد مسارها؛ فالنخب الحاكمة في مجتمعاتنا هي مركز المركز، وكثيرًا ما تحتكر السلطة و«تمثيل» مفهوم الوطن، بل تماهي – عامدة- بينها وبين الوطن، فيدور في فلكها ما يصحّ وصفه ب «النخب الزائفة» أو الشكلية، في كل المجالات: (الدينية والثقافية والسياسية)، تُسمع نخبة السلطة ما يرضيها، وتُدافع عنها، ليس هذا فحسب، وإنما تعمل على إزاحة المختلفين معها أو عنها إلى الهامش! span style="font-family:" Times New Roman","serif""فكيف حدث هذا التحول في دلالة المفهوم لتغدو مفردة النخبة Elite مقصورة على الكتاب والمثقفين؟ وكيف وُجّهَتْ سهام النقد إلى جماعة المثقفين الذين يعيشون –غالبًا- على هامش السلطة ليصبحوا في التصور العام مسئولين عن التخلف الحضاريّ، وهم أصلًا بلا أدوات وبلا تأثير؟ span style="font-family:" Times New Roman","serif""وبعيدًا عن هذا المدار وتلك التساؤلات التي تخصّ واقع مجتمعاتنا في فترة سابقة بأكثر مما تخصّ واقع غيرها من المجتمعات المتقدمة، تلك المجتمعات التي يمتاز فيها مفهوم النخبة دون تشويه والتباس، قد يكون ضروريًّا اليوم أن نعيد التفكير في دلالة المفهوم بعد أن تغير السياق المحلى والعالمي؛ فنحن نعيش ثورة معلوماتية وتواصلية غير مسبوقة، أعادت تشكيل المواقع والقيم الاجتماعية بأكثر مما يبدو على السَّطح، كما أعادت بدرجات مختلفة تعريف مفهومات كثيرة وعلى رأسها مفهوم النخبة Elite. ومن فضول القول أن نذكّر بموقع مجتمعاتنا من تلك الثورة المعلوماتية غير المسبوقة، فنحن بكل أسف - أمة مستهلكة لمنتجاتها، ونتأثر بما ينتج عنها أو يصاحبها من قيم ومفاهيم، ولا نملك ما يمكن اعتباره أدوات حماية، يمكنها أن تدفع عنا معايب العولمة، أو تمكننا من مقاومة سطوة المركز الأورو- أمريكي. span style="font-family:" Times New Roman","serif"" لقد تراجع دور النخبة الحاكمة بعد انخراط الدولة الوطنية في اتفاقيات عالمية تتصل بالاقتصاد ومنظمات المجتمع المدني..الخ. فلم تعد النخبة الحاكمة تتحكم بشكل مطلق، وبات انتقادها ممكنًا في كثير من الدوائر الداخلية والخارجية، بل بات طبيعيًّا أن تُجبر على اتخاذ خطوات معينة، كما نرى ذلك بشكل واضح في ملفات ذات طابع عالمي كالاقتصاد والحقوق والحريات.. وقل الأمر نفسه عن النخبة الثقافية، فلم نعد إزاء جماعة محددة تلقت تعليمًا رفيعًا، تحتكر المعرفة أو الرأي في الشأن العام.. لقد تفكك المفهوم وأصبح المتلقي - بحد ذاته - مشاركًا في نقاشات النخبة؛ إنه لم يعد يتلقى الأفكار بشكل سلبي، وإنما تمكّن - بفضل ما نعيشه من ثورة غير مسبوقة في التواصل والتدفق المعرفي من المشاركة والانتقاد.. إنه «عصر الجماهير الغفيرة». span style="font-family:" Times New Roman","serif"" ولقد أدى هذا بشكل واضح إلى تراجع دور النخبة، بكافة تجلياتها، فلم تعد تمتلك الحقيقة، ولم تعد مصدر التفسير والتحليل، فهناك من يشاركها ذلك، وكأننا فقدنا صورة المنصّة التى كانت تقدم المعرفة إلى جمهور القاعة، منصّة عالية، ومعرفة تسير على نحو رأسيّ من المنصة المرتفعة إلى الجمهور، لقد أزيحت هذه الصورة وتحولنا إلى صورة المائدة المستديرة، وفيها يجلس الجميع على نحو متساوٍ، هنا أنت تقول وتسمع، تقدم خطابك وتتلقى الاعتراضات في الوقت نفسه، معرفة أفقية، تداولية، ضمن مساحة مكفولة للجميع. span style="font-family:" Times New Roman","serif"" ومن الآثار الواضحة على ذلك التحول ما تلاحظه بنفسك span style="font-family:" Times New Roman","serif""اقرأ أيضا | عمار علي حسن يكتب: ما النخبة؟