تتسبب "آلات النشر الميكانيكية" المتواجدة في ورش دمياط، في بتر أطراف الآلاف من عمال دمياط سنويًا، وهو ما يشكل عبئًا وخطرًا كبيرًا على صناع الأثاث، حتى وصل عدد المصابين إلى الآن حوالى 12 ألف عامل مصاب، وذلك حسب تقدير، أحمد زهران عضو جمعية صناع الأثاث بالمدينة، الذى أكد أن أعداد المصابين بجراحات اليد يتراوح نسبتها ما بين 7 إلى 9 % من إجمالي عدد صناع الأثاث بالمحافظة، ولا تقدم الرعاية الصحية اللازمة لهم، والتي تلعب دورًا كبيرًا في إسعاف الحالات فور وقوع الحادث. محمد البرش، نجار يبلغ من العمر75 سنة، يعترف أن "آلات النشر الميكانيكية" لم تتطور منذ دخول هذه الآلات إلى دمياط، بشكل كبير في بداية الخمسينيات، وظلت هذه الآلات تقصف وتبتر أصابع وأيدي عمال دمياط علي مر السنين بدون رحمة ولا هوادة، وهي سبب رئيسي في تأخر وصول هذه الحرفة إلى صناعة حقيقية، تنافس صناعة الأثاث في إيطاليا أو فرنسا أو حتى الصين، ويرجح "البرش" ذلك عدم الابتكار والاهتمام بهذه الصناعة، رغم ما تدره بهذه الإمكانات – البدائية- من مليارات على كبار العاملين بها خاصة تجار الأثاث، الذين ينفقون مكاسب صناعة الأثاث على أشياء أخرى، مثل تجارة الأراضي، أو افتتاح معارض سيارات، أو تجارة العقارات. ويكشف "البرش" عن وجود منشار متطور في الستينيات، عندما تم افتتاح مصنع فارسكور للخشب المضغوط، فيقول إن المصنع كان به منشار روسي، يتوقف تلقائيًا عندما يلمس فقط إصبع النجار بلمسة خفيفة جدا، ولكن لم يتم تعميم هذا المنشار على ورش دمياط، وظل المنشار الحالي هو المسيطر على ورش دمياط، علمًا بأن المنشار هو أخف ضررًا من ماكينات "الحلايا والرابوب" فهما الأخطر على الصانع. ويلفت " البرش" النظر إلى أن هذه الآلات انتشرت في ورش دمياط في الخمسينيات، مع البداية الفعلية لدخول الكهرباء بطاقة أعلى لتتحمل تشغيلها، ومن قاموا بتركيب هذه الماكينات، كانوا صناع موبيليات من القاهرة، والغريب أننا رأينا كيف كانوا يقومون بتركيب هذه الآلات في الورش الخاصة ب "نجارى" دمياط، ورأينا أن جميعهم كانت أصابعهم مبتورة من ماكينات "الحلايا والمنشار والرابوب" وهو ما أصابنا بدهشة، وكان من المفترض أن يتوقف أحد عند هذه الظاهرة، التي دمرت بيوتا وعائلات كثيرة. أما صلاح مصباح، الخبير في صناعة الأثاث، فيصف فكرة إنشاء مستشفى لجراحة الأطراف ب "الفكرة المتخلفة" مبررًا ذلك، بأنه لا توجد كوادر من أبناء دمياط لإدارة هذه المستشفى، وكل ما يحدث في هذا المجال هى اجتهادات من عدة أطراف، فمثلاً لا يوجد إلا عدد قليل من الأطباء من أبناء دمياط تخصصوا في هذا المجال، وليس لديهم الكفاءة العالية كأطباء الزقازيقوالمنصورة مثلا، بدليل أن كل المصابين يتم نقلهم إلى مستشفيات متخصصة في الأطراف في الزقازيق أو المنصورة، وهذا ما تحدثنا عنه كثيرًا، والحل هو قيام الدولة بتطوير هذه الآلات لمساعدة النجار، أو إنشاء جمعية مهمتها تولي هذا الأمر، بتشجيع من الدولة، فالعامل الدمياطي من حقه أن يعمل في بيئة قانونية، فسلامته المهنية أولى بالرعاية، بمشاركة حقيقية بينه وبين الدولة، أيضا وتدخل التجار والغرفة التجارية، لوقف نزيف الدم الذى تشهده المستشفيات يوميًا، بسبب هذه الإصابات الخطيرة، والتي لا يتم معالجتها بشكل سريع، فمن المعروف أن أقصى وقت يمكن علاج المصاب هو 6 ساعات تقريبا، وهو وقت غير كاف لنجدة المريض خاصة إذا تم نقله إلى المنصورة أو الزقازيق، وتجهيز غرفة العمليات. أما الخطر الأكبر على صناع الأثاث، حسب محمد الحطاب، رئيس نقابة صناع الأثاث بدمياط، فيأتي من ماكينة فرم "الكرينة " التى تستخدم فى تنجيد الأنتريهات والصالونات فى دمياط، أصابت المئات وقتلت البعض منهم، إلا أنها مازالت مهنة الكثيرين في دمياط، فلقمة العيش أجبرتهم على العمل في هذه المهنة الخطرة، التى لا يأمن العاملون من شر الإصابة فجأة، والذى يحدث "سهوا" أو "خطأ" في طريقة إدخال سعف النخيل في الماكينة؛ أو من الظروف التي يعمل فيها هؤلاء العمال، فالأماكن التي يعملون فيها غير مهيأة بالمرة لممارسة هذه المهنة. وتتركز هذه المهنة في كفر ميت أبو غالب وقرية السوالم التابعتين لمركز كفر سعد بدمياط، وعلى الطريق السريع مابين كفر البطيخ وكفر سعد، بالإضافة إلى بعض الورش المنتشرة في أنحاء دمياط، وهى تعمل جميعها بنفس الطريقة، ونفس الماكينات البدائية من عشرات السنين. وحسب آخر إحصائية أصدرتها الغرفة التجارية الغرفة التجارية بدمياط، عام 2010 بلغ عدد الورش الصغيرة العاملة في المحافظة بنحو 37 ألف ورشة مسجلة، وحاصلة على سجل تجارى وبطاقة ضريبية، و20 مصنعًا كبيرًا للأثاث، يعمل بها 500 ألف عامل، وتنتج 80% من الأثاث على مستوى الجمهورية، وتستهلك 70% من الأخشاب الواردة إلى مصر، إلا أن أعداد الورش تزيد حتى وصل إجمالي أعداد الورش المسجلة وغير المسجلة إلى نحو 120 ألف ورشة، ويعتقد أن هذا العدد قد تناقص خلال العامين الأخيرين، حيث شهدت دمياط، إغلاق عدد من الورش بسبب ارتفاع أسعار الخشن تزامنًا مع ارتفاع أسعار الدولار.