الاتحاد الأوروبي: تخطيط الناتو بالقطب الشمالي يندرج ضمن الردع وليس الحشد العسكري    خالد جاد الله منتقدا الأهلي: عشوائية فنية واختيار سيئ للمهاجمين الأجانب    طفيلى مجهرى يهدد صحة البلطى فى المزارع السمكية    على قد الأيد، 700 ألف جنيه أسعار سيارات شانجان EADO فى السوق المصرية    ميلان يتقدم بهدفين أمام بولونيا بهدفين في الشوط الأول    برناردو سيلفا يحسم مصيره مع مانشستر سيتي ويقترب من مغامرة جديدة    ضبط قائد سيارة ربع نقل صدم أحد المواطنين وفرّ هاربًا بالقاهرة    اكتمال جدارية الهوية بجناح الأزهر في ختام معرض القاهرة الدولي للكتاب    عمرو العادلي يحتفل بفوز روايته «وكالة النجوم البيضاء» ويقتنص صورًا تذكارية في جناح دار الشروق    وزير التربية والتعليم يوجه المديريات بتسليم الكتب للطلاب دون تأخير    بسبب الصيانة، انقطاع مياه الشرب عن قري ومدن الفيوم غدا    متحدث الشباب يكشف أسباب طلب البرلمان تعديل قانون الرياضة (فيديو)    الزمالك يعلن تعيين أيمن حفني مديرًا فنيا للأكاديمية    رئيس الوفد يفتح باب التظلمات من الفصل المخالف للائحة    عبد اللطيف: الحفاظ على هيبة المعلم وتطبيق لائحة الانضباط المدرسي بحزم    جامعة الدلتا التكنولوجية تدعم ابتكارا طلابيا لإنتاج بلاط الإنترلوك من مخلفات البلاستيك    إدارة شرق تفتتح معرضا لقسم الموهوبين والتعلم الذكي بالإسكندرية    جمال رائف: فتح معبر رفح من الاتجاهين يعزز حق العودة ونجاح للدبلوماسية المصرية    أحمد كشك مفاجأة مسلسل «أب ولكن » في رمضان 2026    نجوم ودبلوماسيون ووزراء في عرض خاص لفيلم زاهي حواس    أخطاء تصنع فجوة بينك وبين أبنائك في الإجازة، وهذه طرق إصلاحها    اللواء 444 الليبي ينفي علاقته بمقتل سيف الإسلام القذافي    4 مسلسلات تعرض على قناة ON في رمضان 2026.. رأس الأفعى وكلهم بيحبوا مودي الأبرز    على من يجب الصوم؟.. أمينة الفتوى تجيب    بالرقم 90.. الهلال السعودي يقدم كريم بنزيما لوسائل الإعلام.. صور    جراحة دقيقة تنقذ شابًا من ورم بالمخ في مستشفيات جامعة قناة السويس    بعثة المصري تطير إلى جنوب أفريقيا استعدادًا لمواجهة كايزر تشيفز بالكونفدرالية    وزير السياحة يشهد مناقشة رسالة دكتوراه حول إدارة التراث الحضاري واتساقها مع أهداف التنمية المستدامة    فان دايك يكسر الصمت: لا أزمات داخل ليفربول والانتقادات جزء من اللعبة    إخلاء سبيل الفنان محمود حجازي في واقعة التعدي على فتاة داخل فندق    وزير الشباب والرياضة يكرم الحاصلين على ميداليات بدورة التضامن الإسلامي وبطولات العالم    أمين عام حزب الله اللبناني يدعو للضغط على إسرائيل وأمريكا لتنفيذ اتفاق وقف الأعمال العدائية    الهلال الأحمر: استمرار تدفق المساعدات الغذائية والطبية لغزة    ما حكم العمل كصانع محتوى والتربح من الإنترنت؟.. أمين الفتوى يجيب    هل الشهرة مقصد شرعي أم فتنة يجب الحذر منها؟.. أمين الفتوى يجيب    وزير الشباب والرياضة يشكر مجلس النواب لموافقته مبدئيًا على تعديل قانون نقابة المهن الرياضية    «الحوار للدراسات»: الاتفاق السوري مرجح للفشل بسبب غياب التوافق    إخلاء سبيل سائق وآخر في جريمة العثور على جثة فتاة بحقيبة فى الإسكندرية    القومي للأشخاص ذوي الإعاقة يلتقي مساعد وزير العدل لحقوق الإنسان    وزارة التموين تُطلق خطة «أهلاً رمضان» لضمان وفرة السلع واستقرار الأسعار    مخالفات لعقارات سكنية فى أحياء الجيزة.. والمحافظ يتدخل    1872 اعتداءً خلال شهر واحد.. الاحتلال والمستوطنون يصعّدون عدوانهم ضد الفلسطينيين في يناير    وزير الثقافة يقرر تعيين الدكتورة نبيلة حسن رئيسًا لأكاديمية الفنون    مصر تبحث مع البنك الدولي الجهود المشتركة لتعزيز التنمية الاقتصادية والاستثمارات المناخية    الأنوار المحمدية ترسم البهجة في أورام الأقصر احتفالًا بليلة النصف من شعبان    الأزهر للفتوى: تحويل القبلة يؤكد وسطية أمة الإسلام والعلاقة الوثيقة بين المسجدين الحرام والأقصى    تجديد حبس خفير لاتهامه بالشروع في قتل زميله بالصف    غلق منزل كوبري التسعين الجنوبي 3 أسابيع (تفاصيل)    الفلسطينيون القادمون من غزة يشكرون الرئيس السيسي: الله يحفظه ويبارك فيه    بيطري قنا ينجح في تحصين 86 كلباً ضالاً ضمن حملة مكبرة    وزير الزراعة يشارك في افتتاح «فروت لوجيستيكا 2026» في برلين.. ويؤكد: نستهدف تعزيز نفاذ الصادرات المصرية للأسواق الأوروبية    إخلاء سبيل المتهمين بالتسبب في حريق مصنع نجمة سيناء بكفالة 5000 جنيه    رئيس جامعة المنوفية يستقبل طالبات من البرازيل في تجربة تدريب طبي    رئيس الوزراء يتابع مستجدات ميكنة منظومة التأمين الصحي الشامل    توقيع مذكرة تفاهم بين مصر والسويد لدعم الشراكة في المجالات الصحية والطبية    الحكومة تسحب مشروع قانون المرور لتقديم نسخة جديدة ل"النواب"    فايننشال تايمز: خطة أوكرانية غربية للرد على أي خرق روسي لوقف النار    دعاء استقبال شهر رمضان.. كلمات إيمانية لاستقبال الشهر الكريم بالطاعة والرجاء    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الصيف الاخير

كانت لابسة فستانا من الشيفون بكرانيش حول الرقبة وعلي الأكمام‏.‏ والشعر كستنائي غامق‏,‏ ملموم للخلف بشريط القطيفة السوداء‏,‏ تاركة فسحة لوجه شاب بأسارير متناسقة‏,‏ في الوقت الذي تبرز فيه العينان اللتان تظللهما رموش طويلة‏.‏ وهي لاتشع فقط شبابا ونضارة هذه الشابة‏/‏ الفتاة‏,‏ لكن سلاما عميقا وسلام‏.‏ لكن هذه الشابة الجميلة‏,‏ لأن هذا في الحقيقة ماكانته‏,‏ والتي كانت مرتبة مثلها‏,‏ وتتنفس بعمق من كل مسامها‏...‏ كانت داخل برواز موضوعة فوق التسريحة‏,‏ قريبه من المرآة‏.‏ هكذا كانت في الثامنة عشرة قبل أن تتزوج‏,‏ ولقد أراد بيبي أن تعطيه كهدية صورة في عيد الميلاد‏,‏ وقد خرجت جميلة جدا‏,‏ نعم‏,‏ في الحقيقة‏.‏ ولقد عانت ألما شديدا عند مقارنتها بالشابة التي في الصورة‏,‏ بالصورة المنعكسة لها في المرآة‏,‏ صورتها هي‏:‏ صورة امرأة ناضجة‏,‏ سمينة‏,‏ بوجه مرهق‏,‏ ذابل حيث بدأت تلاحظ التجاعيد‏,‏ وقلة العناية‏,‏ أم الأفضل أن نقول قلة العناية بكل مايخص شخصيتها‏:‏ الشعر البيضاوي الأشيب‏,‏ لبسها لأحذية بكعب واطيء‏,‏ وفستانها المستهلك‏,‏ وموضته بطلت‏.‏ لاأحد سيفكر أن تلك التي كانوا ينظرون إليها خلف الواجهة الزجاجية لاستوديو التصوير قد صارت هي‏,‏ نعم‏,‏ هي‏,‏ عندما كانت روحها ممتلئة بالغرور والخطط‏,‏ بعكس ماهي الآن‏..‏
ماذا جري لك ياماما؟ سألها ريكاردو لأنها كانت جالسة وقد خبأت وجهها براحتيها‏.‏
جالسة هناك في مواجهة التسريحة‏,‏ وحيث كان عليها أن تهييء نفسها للخروج‏,‏ وغيرت وهي مثقلة بمشاعر الإحباط فستانها وضبطته علي جسمها‏.‏ واضح أنه ليس من الممكن الإحساس بالرضا والنشاط عندما تزداد الأعباء أكثر من اللازم وتعرف الواحدة أنها ليست بالفعل امرأة بل شبحا‏,‏ وشبحا سوف يقضي عليه واحدة واحدة بشكل بطيء‏...‏ والآن عليها أن تغطي فمها بالمنديل لتخنق انفجارها في الانتحاب لأنها في الفترة الأخيرة تحس بأنها حساسة أكثر من اللازم وحزينة وماأسهل أن تنهار باكية‏.‏
حدث هذا في أوائل الصيف‏.‏ في هذا الصيف الذي مامن نسمة طرية فيه‏,‏ والخانق‏,‏ والذي بدأت تحس فيه بأنها حالة سيئة‏.‏ وأحيانا كانت تحس أول ماتستيقظ بنوبة شديدة من الغثيان‏,‏ وأحيانا أخري تحس بسخونة تصعد في هبات إلي رأسها‏,‏ أو نوبات دوار شديدة‏,‏ كما لو أن الغرفة وقطع الأثاث تتحرك وهي تلف بها‏,‏ ونوبات الدوار في حالات عديدة تهاجمها طوال اليوم‏,‏ أيضا فقدت شهيتها للطعام‏,‏ ولم تعد تشتهي شيئا‏.‏ وكل طعام أصبحت نفسها تعافه‏,‏ وبحساباتها‏,‏ فإنها قضت الأيام الماضية دون أن تأكل وعلي فنجان قهوة فقط أو كوب عصير كانت تمضي يومها‏.‏وتعب لاحدود له استولي عليها ولم يعد ممكنا بالنسبة لها أن تنجز ماعليها من أعباء يومية‏,‏ وهي التي دائما ماكانت تظل تشتغل في البيت من الصباح حتي الليل‏,‏ كامرأة زنجية‏.‏ كل ماتقوم به الآن كان يتم بجهد شديد‏,‏ جهد كل يوم يتزايد عما سبقه حتي غطي العمر كله هذا العمر الذي صارت كل النساء خائفة كثيرا منه والتي هي علي وجه الخصوص تري أنها بلغت نهايته‏,‏ جدب‏,‏ شيخوخة‏,‏ سكوت‏,‏ موت‏..‏ الايام تمر‏,‏ وتوعك صحتها زاد إلي الحد الذي جعلها تقرر الذهاب إللي الطبيب‏.‏ ربما حدث لها شيء مع أقل ثقل تلك المرحلة الصعبة‏.‏
بعد أن قام الطبيب بالكشف عليها وفحصها بدقة وربت علي كتفها وهنأها‏..‏ ستكون أما من جديد‏...‏ لم تصدق ماسمعته لاأصدق أبدا‏,‏ ولكن مع سنوات عمري‏,‏ فكرت بأنه كان‏..‏ كما يقال ستكون هناك أعراض ل‏....‏ لكن‏,‏ كيف يكون ذلك ممكنا‏,‏ يادكتور؟ وكان عليها أن تسأله عدة مرات إن كان متأكدا من تشخيصه‏,‏ إذ أنه من النادر أن يحدث ذلك في عمرها هذا ذلك هو‏,‏ ياابنتي‏,‏ لاأكثر‏,‏ اتبعي نصائحي وتعالي لأراك خلال شهر‏,‏ يجب ألا يكون عندك خوف‏,‏ لو اعتنيت بنفسك‏,‏ كل شيء سيتم بشكل طيب طبعا سأراك‏,‏ وأنا في انتظارك خلال شهر كتبت لك روشتة ببعض الأدوية والتي لابد أن تتناوليها‏.‏ أما هي فخلال أيام وأيام‏,‏ ولاتزال لعدة ساعات قبلها‏,‏ كانت تبكي فقط لتفكيرها بأنها وقد بلغت ذلك العمر المزعج والذي فيه عاشت الأمومة‏,‏ والنضارة والنشاط انتهي الآن‏,‏ وعندما استقبلت الخبر‏,‏ لم تجرب أي إحساس بالفرح‏,‏ بل علي العكس كأنه إحساس كبير بالارتباك وهمود شديد‏,‏ لأنه عبء ثقيل‏,‏ بالطبع‏,‏ أن تعود بعد سبع سنوات ويكون لديها طفل آخر‏,‏ عندما يكون لديها بالفعل ستة أبناء‏,‏ فضلا عن أن الواحدة ليست في سن العشرين‏,‏ ولم تعمل حسابا لمن ستعينها مقابل لاشيء‏,‏ وعليها أن تقوم بشغل البيت كله وتدبر احتياجاته بمصاريف شحيحة‏.‏ وتكلفة ذلك كله تتصاعد يوما بعد يوم‏.‏ وهكذا راحت تفكر وهي راكبة في سيارة النقل في عودتها إلي البيت‏,‏ بينما كانت تتطلع إلي الشوارع التي بدت لها مثيرة للحزن مثل المساء‏,‏ مثلها هي نفسها‏.‏ لأنها بالفعل لاتريد أن تعود لتبدأ مرة أخري‏,‏ زجاجات الرضعة‏,‏ كل ثلاث ساعات‏,‏ وغسيل الأقمطة طوال اليوم وساعات السهر‏,‏ عندما تكون لاترغب في شيء بالفعل سوي في أن تنام‏,‏ تنام‏,‏ تنام طويلا‏,‏ لا‏.‏ لا‏.‏ هذا لاتستطيع أن تكونه‏,‏ فليس لديها القوة ولاالصبر لتقوم برعاية طفل آخر‏.‏ ويكفيها تماما أن تصبر علي ستة أبناء وببيبي‏,‏ شديد الجفاف‏,‏ وشديد الاختلاف لست سخيا معك‏,‏ ياابنتي‏,‏ لاأفقه شيئا من الحياة‏,‏ وليس لدي طموحات والشيء الوحيد الذي أفعله سوف يكون أن أملأ بطنك بالأبناء نعم‏,‏ طفل آخر أكثر وهو لن يبذل أقل جهد أكثر من ذلك للبحث عن عمل آخر وكسب نقود أزيد والمهمة جدا بالنسبة لها والتي تعمل معجزات في تدبير إنفاقها أو أنها سوف تموت من الإجهاد‏.‏
في تلك الليلة أبلغته بالخبر‏,‏ كان الأطفال قد ناموا‏,‏ وهما كانا في الغرفة يتفرجان علي التليفزيون مثل كل الليالي بعد العشاء‏.‏ مرر بيبي ذراعه حول كتفيها وطس خدها بقبلة كل طفل يأتي ومعه رزقه‏,‏ طعامه وملبسه‏.‏ لاتشغلي نفسك‏,‏ سنخرج من هذه الزنقة مثلما نخرج دائما‏.‏ وهي ظلت شاخصة إلي شاشة التليفزيون حيث كان هناك شيء يتحرك دون إحساس به‏,‏ بينما كان هناك في داخلها يتصارع عالم من الأفكار والأحاسيس ومرت الأيام‏,‏ والأسابيع‏,‏ واستمرت دون أن تجد مايعينها في صبرها علي هذا المكروه ولا مايجعلها تتعلق بالامل‏,‏وجع يتزايد مع الأيام وشحوب شديد أجبرها علي أن ترقد‏,‏ في أوقات مختلفة‏,‏ وفي مرات كثيرة أثناء النهار‏.‏ وهكذا قضت الصيف‏.‏
وفي الليالي‏,‏ وقليلا أثناء النوم كان بيبي يسمعها أو يحس بها ترتعش‏,‏ لكنه بالكاد يقدر كونها لاتنام‏.‏ وكان طبيعيا أن بيبي قد ارتاح من الهم‏,‏ طبعا‏!‏
فهو لايدرك ما الذي يعنيه أن يخرج للنور ابن فوق الآخرين‏,‏ ولاكيف يعتني به‏,‏ الأبناء جائزة‏,‏ هبة‏,‏ لكن عندما يكونان في الخامسة والأربعين وعندهما ستة أطفال‏,‏ فطفل آخر فوقهم ليس جائزة‏,‏ وليس سوي عقوبة‏,‏ لأنه بالفعل لاتتوافر من أجله لاالطاقة ولا الهمة لمواصلة المشوار‏.‏
أحيانا تنهض في منتصف الليل وتجلس قرب النافذة‏,‏ هناك في الظلام‏,‏ تسمع صوت الجنادب تحت في الجنينة الصغيرة حيث تجمع منها الخضراوات‏,‏ ويفاجئها الفجر بالعينين المفتوحتين لاتزال واليدان متشنجتان من الكرب‏.‏
وكان عليها أن تذهب إلي الطبيب في نهاية الشهر‏,‏ وبعد ذلك‏,‏ تواصل‏.‏ غير لها قليلا من الأدوية التي وصفها لها‏,‏ لكن عليها دائما إن تتبع نصائحه نفسها‏.‏ حاولي ألا تتعبي نفسك كثيرا‏,‏ ياابنتي‏,‏ استريحي أكثر‏,‏ وهدئي نفسك‏.‏ عادت إلي بيتها وهي تسير بتثاقل‏.‏
وفي واحدة من تلك الليالي والتي لم تذق فيها النوم والحر وضيق التنفس مماجعلها تنهض وتتمشي‏,‏ وخرجت لتتهوي بهواء منعش وأمسكت بدرابزين السلم الذي ينزل من الغرف إلي الجنينة الصغيرة‏.‏ وصلت إليها رائحة الليل التي ماأكثر ماكانت تحبها‏,‏ لكنها الآن تبدو لها نفاذة بشدة‏,‏ ونفسها تعافها‏,‏ كانت ترقب بشكل مختلف اليراعات التي تضيء في الظلمة وتنطفيء وتتكاثر ليليا بالتماعات صغيرة قليلة وقصيرة‏,‏ عندما أحست بشيء ساخن وجيلاتيني بدأ ينزلق جاريا بين ساقيها نظرت تحتها ورأت فوق الأرض غصن خشخاش منزوع الأوراق‏.‏ وأحست بجبينها غارقا في غرق بارد‏.‏ وبساقيها وقد أخذتا تتراخيان‏,‏ وشددت قبضتها علي درابزين السلم‏,‏ بينما انطلقت صارخة علي زوجها‏.‏ وبيبي نقلها إلي السرير وجري ليستدعي الطبيب لقد نصحتك كثيرا بألا تتعبي نفسك‏,‏ ياابنتي‏,‏ وألا تجهدي نفسك كثيرا قال الطبيب ذلك وعندما انتهي من تتبعها وربت علي كتفها بتربيتات خفيفة‏.‏ حاولي أن تنامي‏,‏ غدا سأحضر لأراك وقبل أن تسقط في النوم‏,‏ طلبت من بيبي أن يلف الدماء المتجلطة في أوراق جرائد وأن يدفنها في ركن من أركان الجنينة الصغيرة‏,‏ حتي لايراها الأطفال‏.‏
كانت الشمس قد ملأت الغرفة عندما استيقظت‏,‏ وكانت قد نامت ساعات طويلة‏.‏ وأطفالها كانوا قد ذهبوا إلي المدرسة دون أن يثيروا ضجة‏,‏ وبيبي أحضر لها فنجان قهوة باللبن ومعه خبز لتأكله باستمتاع‏.‏ كانت جائعة وعندما خرج بيبي ليجيء بأخته لتلازمها بضعة أيام حتي تستعيد عافيتها‏,‏ بقيت هي تفكر ولم تستطع علي الأقل أن تجرب أعظم ارتياح من أنها قد خرجت من هذا الكابوس المرعب‏.‏ ولقد تألمت طبعا أنها تبدو بشكل محزن كثيرا‏,‏ شديدة الكدر‏,‏ لكن الأمور لاتجري حسبما يشتهي البعض‏,‏ ولامايفكر فيها‏,‏ لكن حسبما تسير هي‏.‏ وطبعا هي لاتريد طفلا آخر‏.‏ لا‏,‏ كانت قد تفوقت علي نفسها‏,‏ لكن ليس هكذا‏,‏ وألا يكون قد حدث هكذا مما أثر فيها وحرك عواطفها‏.‏ وأخذت تبكي بلا عزاء لفترة طويلة حتي ظلت مستغرقة مرة أخري في النوم‏.‏
وفي أيام قليلة عاد كل شيء إلي طبيعته‏,‏ وقامت بواجباتها في خدمة البيت‏,‏ كما كانت تقوم بها دائما‏,‏ مراعية ألا تجهد نفسها أزيد من اللازم‏,‏ عاملة علي أن تظل مشغولة طوال اليوم‏,‏ وهكذا فإنها لم يكن لديها الوقت بأن يأخذها التفكير وأن تعاودها نوبات اللوم‏.‏ وجربت أن تنسي كل شيء‏,‏ وألا تتذكر ذلك الصيف المربك الذي في آخر الأمر كان قد انتهي والذي تقريبا كانت قد انتهت منه حتي كان ذلك اليوم الذي طلبت فيه من بيبيتو أن يجمع لها بعض حبات الطماطم لاياماما‏,‏ لأن هناك أيضا توجد ديدان‏.‏
بدأ الطنين يتصاعد في أذنيها‏,‏ وقطع الأثاث كلها والأشياء وأخذت تدور من حولها‏,‏ وبدأ نظرها يغم وكان عليها أن تجلس حتي لاتقع من طولها‏.‏ كانت غارفة في العرق والقلق ينهش أحشاءها بالتأكيد أن بيبي‏,‏ البطيء الحركة كما هو دائما‏,‏ لم يحفر الأرض بشكل كاف‏,‏ ومن هنا‏...‏ لكن أي شيء مرعب‏,‏ أي شيء مرعب‏,‏ الديدان تخرج‏,‏ تخرج‏...‏
في ذلك اليوم بصعوبة جهزت الطعام وقد انتهت منه أو كان مالحا أو نصف نييء‏,‏ أو محترقا إذ إنها بدأت تدور في دوامة من الأفكار وتهالك مخيف‏.‏ كل حياتها‏,‏ والروتين اليومي تغيرت بضربة واحدة‏,‏ إذ أخذت تتجه إلي أن تكون عصبية جدا‏,‏ فريسة لقلق فظيع‏,‏ تفرش السراير بشكل سييء‏,‏ وتخبط الأرض بالمكنسة خبطات عديدة‏,‏ تجري وتطل من النوافذ المطلة علي الجنينة الصغيرة‏,‏ وبدأت تنفض الغبار من فوق قطع الأثاث‏,‏ ومرة أخري من علي النافذة‏,‏ ونسيت كل ماكانت تعمله‏,‏ وعند مسح الأرضية تترك بركا‏.‏ وبدأت توقع الأشياء من يديها‏,‏ تحطم الأواني الخزفية‏,‏ وتلتقط بسرعة الكسر وتلقي بها في إناء القمامة حتي لايراها أحد ويشك فيها‏,‏ تقضي ساعات طويلة متعلقة بالدرابزين‏,‏ وهي تراقب‏,‏ وتراقب‏.‏
بصعوبة تتكلم مع بيبي والأطفال الصغار‏,‏ كل شيء يضايقها‏:‏ ما يسألونها عنه‏,‏ مايتحدثون فيه‏,‏ مايثيرونه من ضوضاء‏,‏ الراديو الذي يفتحونه‏,‏ الألعاب التي يعلبونها‏,‏ فرجتهم علي التليفزيون‏...‏ هي تريد أن تكون وحدها‏,‏ تفكر‏,‏ تراقب‏...‏ ألا تتسلي‏,‏ هي في حاجة لأن تكون متنبهة‏,‏ وهي تصغي‏,‏ وهي تراقب‏,‏ وهي تصغي‏,‏ وهي تراقب‏.‏
في هذه الليلة‏,‏ ذهب بيبي إلي وسط البلدة كي يشتري حذاء أو إلي صالون الحلاقة‏.‏ والأطفال الثلاثة الأصغر سنا ذهبوا للدرس الديني ككل يوم سبت‏.‏ والأطفال الأكبر للعب كرة السلة‏.‏ فكانت في وحدتها تحاول بلاجدوي أن ترفو الجوارب‏,‏ وترقع القمصان‏,‏ والبنطلونات‏,‏ الأمور التي كانت تجري من قبل بمهارة وبسرعة بينما تتابع هي في التليفزيون مسلسل ايام الاحد البيع بسعر مخفض الذي كثيرا ماأحبته‏,‏ وفوق كل شيء مسلسل حنين‏..‏ لكن ذلك لم يعد ممكنا بالفعل‏,‏ وبالنسبة لها لم يعد يسليها شيء‏,‏ ولاماكانت تسمعه ولاماتراقبه‏,‏ كانت متنبهة‏,‏ تراقب‏,‏ وتنصت‏,‏ وقرب الساعة السادسة مساء نجحت في أن تحس بما يشبه احتكاك خفيف‏.‏ شيء يتسحب فوق الأرضية بالكاد تلمسه‏.‏ بقيت هادئة دون أن تتنفس‏..‏ نعم ليس هناك أقل شك‏...‏ أولئك هم‏..‏ وهم يقتربون‏,‏ يقتربون‏,‏ يقتربون ببطء كل مرة أكثر‏,‏ كل مرة أكثر‏,‏وعيناها اكتشفتا ظلا خفيفا تحت عقب الباب‏...‏ نعم‏,‏ إنهم هنا‏.‏ لقد وصلوا‏..‏ لم يعد هناك وقت ليضيع أو ليكون للرأفة‏.‏ جرت إلي المائدة التي كانت فوقها لمبة جاز من البورسلين القديم والتي كانت لوالدتها والتي احتفظت بها كشيء أثري‏,‏ وبيدين مرتعشتين عمدت إلي إفراغ محتويات اللمبة من الجاز وراحت تسكبه من فوق الرأس إلي القدمين حتي بقيت مبتلة به تماما‏..‏ وبعد ذلك‏,‏ وبالفائض منه‏,‏ رشت مايحيط بها‏,‏ ثم دائرة ضيقة حولها‏,‏ ومع ذلك فقبل أن تشعل عود الثقاب‏,‏ نجحت في أن تراهم وهم يدخلون بصعوبة شديدة خلال فتحة ضيقة من الباب‏...‏ لكنها كانت أسرع‏,‏ وبهذا فقد كسبت المعركة‏,‏ ولن يبقي لهم أثر‏.‏ لتكون بذلك قد أكملت انتقامها‏,‏ اذ لم تبق سوي كومة من الرماد الذي يتصاعد منه الدخان‏.‏
من مجموعة أشحار متحجرة
للكاتبة المكسيكية‏:‏ أمبارو دابيلا
كاتبة مكسيكية ولدت في‏81‏ فبراير‏8291,‏ وحائزة علي جائزة خابيير بياروتيا عن مجموعتها القصصية أشجار متحجرة عام‏.7791‏
وهي واحدة من أهم كاتبات المكسيك‏,‏ بل وأمريكا اللاتينية في القرن العشرين ويتحدثون عنها بوصفها المايسترا‏.‏ وقد خاطرت بعزيمتها في بحر الإبداع الهائج‏,‏ فلم تقهرها غيلانه‏.‏ وأسهمت بإبداعاتها في مجال القصة القصيرة في دمج موجة التجديد وترسيخ هذا النوع الأدبي في القارة‏,‏ وبتوهج منفرد قدمت مجموعتها الأولي‏:‏
حين تقطعت الأوصال‏.‏ أصدرت أول ترجمة عربية لها في سلسلة الجوائز بالهيئة العامة للكتاب عام‏9002,‏ ترجمة محمد ابراهيم مبروك‏.‏
والأسلوب القصصي المنفرد لأمبارو دابيلا يتميز بالانسياب بسلاسة ودقة‏.‏ متسعا لمساحة كبيرة هي مجال لمستويات ودرجات من الانفعالات الإنسانية‏,‏ وشخصياتها تواجه برباطة جأش‏:‏ الخوف‏,‏ الوحدة‏,‏ والموت‏,‏ والجنون‏,‏ وهي محصلة وجود مبهم ومثير للقلق‏.‏ وهي تستكشف الدوافع التي يقلب التفكير والانفعالات رأسا علي عقب‏,‏ وهكذا‏,‏ فمثل ماتبني شخصيات مركبة‏,‏ فهي تسهم بذلك في أن يكون الناتج الأدبي من أكثر النماذج غموضا وغني في القصص المكسيكي‏.‏
إن قصص أمبارو دابيلا تمتلك قوة مفعمة بالحيوية مما يجعلها تطرح علي القاريء كالشبكة وتأسره‏,‏ بخلقها جوا قصصيا يثير اضطراب القراء‏,‏ بهذا الذي يستولي عليهم ولقد تم تكريم أمبارو دابيلا في يوم ميلادها نفسه‏,‏ بإقامة احتفال لها لبلوغها الثمانين عاما بقصر الفنون بمدينة المكسيك عام‏.8002‏
وصدر لها مجلد جمع أعمالها القصصية‏:‏
‏‏ حين تقطعت الأوصال‏(9591)‏
‏‏ موسيقي مجسدة‏(4691)‏
‏‏ أشجار متحجرة‏(7791)‏
‏‏ بأعين مفتوحة‏(‏ ضمن المجلد‏:8002)‏
هذه القصة من مجموعةأشجار متحجرة للكاتبة والتي ستصدر قريبا في سلسلة الجوائز عن الهيئة المصرية العامة العامة للكتاب‏.‏

قصة الكاتبة المكسيكية‏:‏ أمبارو دابيلا


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.