مما يستلفت الانتباه في المعالجة الإعلامية الدولية للاعتداء الإرهابي الذي شنته القوات الإسرائيلية علي أسطول السلام الدولي القادم بمساعدات إنسانية لأهالي غزة, انه برغم الإدانة الدولية الواضحة فإن أجهزة الإعلام الغربية انساقت كعادتها وراء آلة الدعاية الإسرائيلية ذات النفوذ النافذ داخل هذه الأجهزة, فأفسحت المجال للادعاءات الرسمية الإسرائيلية بأن تلك العملية الوحشية التي تمت في المياه الدولية وراح ضحيتها العشرات من بينهم ما يقرب من20 قتيلا. كانت دفاعا عن النفس ضد هجوم دعاة السلام الدوليين علي الجنود بالأسلحة البيضاء والسيوخ الحديدية وغير ذلك, وهكذا سقطت تلك الأجهزة في فخ الدعاية الإسرائيلية فانقلبت الآية وأصبح الجنود المعتدون بالبنادق والرشاشات هم الضحية ودعاة السلام ممن جاءوا لأهداف إنسانية بحتة هم المعتدين, وقد تبع ذلك أن انحصر مجال التحقيقات الصحفية سواء في الصحف أو في التليفزيونات حول, هل كان ركاب أسطول السلام وخاصة السفينة التركية التي تم الاعتداء عليها يحملون السلاح وهل قاموا بالاعتداء بالفعل علي الجنود؟ ولقد تحركت آلة الدعاية الإسرائيلية وفق خطة محكمة فقامت باعتقال من كانوا علي متن السفينة وأودعتهم في سجن بئر سبع وحظرت كل اتصال بهم, وفي نفس الوقت قامت ببث وتوزيع صور لأسلحة بيضاء قالت إن قواتها صادرتها من ركاب السفينة, الكثير منها أدوات عادية توجد في كل مكان مثل المقصات والسكاكين وغيرها. لا أريد من هذا العرض لأسلوب الدعاية الإسرائيلية أن أوحي أن إسرائيل كسبت معركة الرأي العام في ذلك الحادث الإجرامي غير المبرر, فالعكس هو الصحيح حيث ساهمت فداحة العملية ووحشيتها, ليس فقط في تقليب الرأي العام الدولي, وانما وصل الشعور بالغضب الي الكثير من الأجهزة الرسمية التي اعتدنا في السابق أن تؤثر التحفظ كلما تعلق الأمر بالاعتداءات الإسرائيلية, محاولة إضفاء قدر من الموضوعية الزائفة علي موقفها بتوجيه اللوم للطرفين الإسرائيلي والفلسطيني. لكن وسط ذلك الشعور بالغضب الذي عم العالم أجمع, استطاعت إسرائيل أن تستخدم أسلحتها التقليدية في الإعلام الغربي فخففت كثيرا من حالة الغضب التي واجهتها في العالم كله, وذلك بأن نقلت موضوع الخلاف الي محاولة التوصل الي الحقيقة في القضية التي شغلت بها الإعلام لفترة, وهي أن جنودها لم يلجأوا للقتل والضرب والاعتقال إلا دفاعا عن النفس, بدلا من أن تركز أجهزة الإعلام علي القضية الأولي بالاهتمام وهي ما الذي أتي بالجنود الإسرائيليين الي السفينة التي لم تأت بغرض الهجوم العسكري علي إسرائيل, وكانت في مياه دولية لا ولاية لإسرائيل عليها؟ أي هل كان لهؤلاء الجنود الحق أصلا في الوجود علي هذه السفينة بصرف النظر عما اذا كانوا يدافعون عن أنفسهم ضد مدنيين دعاة سلام؟ إن من يتابع أسلوب الدعاية الإسرائيلية عبر السنين يكتشف أن ما حدث في حالة أسطول السلام الأخير هو أسلوب إسرائيلي معتمد شاهدناه مثلا في أحداث غزة في يناير الماضي, حين قلبت آلة الدعاية الإسرائيلية الحقائق أيضا وشغلت الإعلام الدولي بقضية فرعية برزت في المقام الأول للاهتمام الدولي وهي أن ضرب الشعب الفلسطيني المحاصر في غزة كان ردا علي قيام الفلسطينيين بضرب بضعة صواريخ علي مواقع إسرائيلية وليس علي ما الذي يعطي إسرائيل الحق في محاصرة غزة وما الذي يعطيها الحق في ضرب شعب مدني أعزل قتلت منه الآلاف من النساء والشباب والأطفال والشيوخ؟ إن ذلك هو السؤال الذي تبرع إسرائيل في تحويل اهتمام الإعلام العالمي عنه فتصبح بؤرة الاهتمام هي ما تتعرض له إسرائيل في الأراضي المحتلة من هجمات إرهابية تهدد أمنها وتحصد حياة رعاياها من المدنيين, ولا يكلف أحد نفسه عناء السؤال: وماذا تفعل إسرائيل في تلك الأرض المحتلة؟ لقد تابعت معالجة جريمة إسرائيل الوحشية علي أسطول السلام منذ وقعت يوم31 مايو في أجهزة الإعلام العربية فلم أجد ما يشير الي وجود استراتيجية إعلامية مضادة تهدف لتحويل دفة اهتمام الإعلام الدولي الي القضية الأساسية وهي ما الذي أتي بالجنود الإسرائيليين الي السفينة التركية التي حاصروها بالمراكب وهبطوا إليها من الطائرات المروحية حاملين معهم السلاح الذي قتلوا وجرحوا به العشرات. لقد آن الأوان للاسطوانة المشروخة التي لا تمل إسرائيل من تكرارها حول مسألة الدفاع عن النفس هذه أن تتوقف وأن نحاول تحويل اهتمام العالم الي القضية الرئيسية, إن إسرائيل ستستمر في اسطوانتها هذه طالما أنها تلعب وحدها علي ساحة الإعلام الدولي ومن يلعب وحده يتحكم وحده في هذه الساحة ويسيطر علي العاملين فيها, واذا كانت إسرائيل تستميت في لعبتها هذه فذلك أنها تعلم جيدا أن اهتمام الإعلام الدولي بالقضايا الأساسية لن يكون في صالحها, لان الناس بدلا من أن تسأل هل كانت إسرائيل في حالة دفاع عن النفس أمام ركاب السفينة الإسرائيلية, سيسألون: ما الذي أتي بهؤلاء الجنود الي السفينة؟ وبدلا من أن تسأل: هل إسرائيل تواجه الإرهاب الفلسطيني؟ سيسألون: ما الذي أتي بإسرائيل الي الأراضي المحتلة؟