«مصر وصراعات الشرق الأوسط».. ندوة فكرية تناقش تحديات الأمن القومي العربي    إسلام عفيفي يكتب: خطاب الكراهية وتكسير المناعة العربية    أكثر من 30 دولة تجتمع للضغط من أجل إعادة فتح مضيق هرمز وسط استمرار الحرب مع إيران    محافظ المنوفية ينتقل لمكان حادث مصرع 8 أشخاص بالسادات (صور)    تعرف على التشكيل الكامل للجان المجلس الأعلى للثقافة لعام 2026    محافظ سوهاج يقرر تعطيل الدراسة اليوم الخميس لسوء الأحوال الجوية    محافظ الدقهلية يتفقد مستشفى شربين لمتابعة انتظام العمل خلال الفترة الليلية    النفط يقفز بأكثر من 4% والأسهم الآسيوية تتراجع بعد خطاب ترامب    روته يزور واشنطن الأسبوع المقبل لإجراء مباحثات مع ترامب    روبرت باتينسون يبدأ تصوير مشاهده في فيلم The Batman 2 الأسبوع المقبل    من شجرة السباجيتي إلى خدع جوجل.. اعرف أشهر حكايات «كذبة أبريل»    عمر مرموش يرد على الهتافات العنصرية لجماهير إسبانبا ب"صورة ومانشيت جريدة قديم"    زلزال قبالة سواحل إندونيسيا يقتل شخصًا ويؤدي لانهيار مبان وموجات تسونامي    استمرار أعمال شفط وسحب تراكمات مياه الأمطار بمناطق الجيزة.. صور    وصول بعثة منتخب مصر إلى القاهرة بعد مواجهة إسبانيا وديا    بعد خطاب الرئيس الأمريكي.. إيران تشن هجومًا صاروخيًا واسعًا على إسرائيل    السويدي اليكتريك تتعاون مع IBM لتسريع التحول إلى الذكاء الاصطناعي    ترامب: لن نسمح بضرر لحلفائنا فى الخليج العربى    سلوك خطير، "الصحة العالمية" تحذر من تبادل الأدوية بين المرضى    القيادة الأمريكية الوسطى: نفذنا أكثر من 13،000 طلعة ودمرنا أكثر من 155 سفينة إيرانية    شردي بعد مؤتمر مدبولي: مفيش حكومة بتعوز تعذب المواطن.. هل تحبوا النور يقطع كل 6 ساعات؟    نائب بالشيوخ: خبرة ترامب في الأعمال تؤثر على قراراته السياسية    خبير اقتصادي: رفع الحد الأدنى للأجور يحتاج زيادة الإنتاج لتفادي التضخم    انقطاع الكهرباء بالعاشر من رمضان بسبب سوء الأحوال الجوية وفرق الطوارئ تتدخل (صور)    انفجارات في تل أبيب.. 3 مصابين في بني براك جراء رشقات صاروخية    رياح قوية تطيح بشجرة وعمود إنارة في شارع رمسيس بالمنيا    نقابة الصحفيين تصدر بيان بشأن تصوير جنازة والد حاتم صلاح    بعثة منتخب مصر تغادر إسبانيا متجهة إلى القاهرة    أحمد زكي يكتب: زلزال "أحمديات" سقط القناع عن شيطان "تقسيم" المنطقة!    تأجيل امتحانات الشهر اليوم بسبب الطقس.. والتعليم: القرار بالتنسيق مع المحافظين لضمان    تنفيذا لقرارات الغلق.. إنهاء حفل زفاف بعزبة الخلايلة بالخانكة وغلق المحال 9 مساءً    علي قاسم يرصد تحولات الفن السابع في كتاب سيرة السينما في مائة عام    مسؤول إيرانى: نطالب بوقف إطلاق نار مضمون ينهي الحرب تماما    تعطيل الدراسة بجميع المعاهد الأزهرية الخميس بسبب التقلبات الجوية    تعليم سوهاج يقرر تأجيل امتحانات الخميس بسبب سوء الأحوال الجوية    محافظ قنا يعلن تعطيل الدراسة اليوم بجميع المدارس والمعاهد الأزهرية والتمريض بسبب الطقس السيئ    أحمد هشام يحقق الميدالية البرونزية ببطولة العالم للسلاح بالبرازيل    2026 عام التكريمات فى مشوار الفنانة القديرة سهير المرشدى.. من عيد الثقافة مرورا بتكريمها من السيدة انتصار السيسي وختاماً مهرجان الأقصر للسينما الإفريقية.. وتؤكد: المسرح علمنى الإلتزام والانتباه لقيمة الوقت    ليلة شتوية مرعبة.. حين يتحول الحنين إلى خوفٍ صامت    مياه كفر الشيخ: انفجار خط طرد صرف صحي بدمنكة في دسوق وجارٍ التعامل الفوري    محافظ الإسكندرية يبحث ضبط الأسواق مع مسئولي الغرفة التجارية بالمحافظة    لوكاتيلي يوجه رسالة اعتذار لجماهير إيطاليا بعد الفشل في التأهل لكأس العالم    محافظ القليوبية يعلن تعطيل الدراسة اليوم الخميس لسوء الأحوال الجوية    أدار المباراة الأولى.. التمسماني حكما لمباراة مصر وليبيا في تصفيات شمال إفريقيا للناشئين    صحيفة فرنسية: رينارد يطلب رسميا الرحيل عن منتخب السعودية    الصحة: التطعيم ضد فيروس HPV خط الدفاع الأول للوقاية من سرطان عنق الرحم    إبراهيم عبد الجواد: ديانج وقع علي عقود الإنضمام إلي فالنسيا مساء الإثنين    «الأوقاف» تحدد موضوع خطبة الجمعة عن رعاية اليتيم وترشيد الكهرباء    اللهم صيبًا نافعًا.. دعاء المطر وفضل الدعاء وقت الغيث    وزيرا الصحة والتضامن: إتاحة تطعيم فيروس الورم الحليمي البشري للسيدات    دار الإفتاء عن كذبة أبريل: المسلم لا يكون كذابا حتى ولو على سبيل المزاح    محافظ مطروح يعلن تعطيل الدراسة غدا بسبب الأمطار الغزيرة وسوء الأحوال الجوية    هل تأثم الزوجة إذا خرجت إلى أهلها دون إذن الزوج؟ أمين الفتوى يجيب (فيديو)    حياة كريمة.. 1415 خدمة طبية مجانية بقرية «بني غني» سمالوط    مشاورات مصرية - أوغندية لتعزيز التعاون الثنائي ودعم التنمية    التنظيم والإدارة يعلن فتح باب التقديم لشغل وظائف خبراء بوزارة العدل    احتفالية كبرى لبيت الزكاة لدعم الأهالي بشمال سيناء    محافظ جنوب سيناء يتلقى التهاني خلال احتفالات الذكرى 37 لاسترداد طابا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



السد العالي ملحمة قومية ودروس منسية

مر أكثر من نصف قرن من الزمان علي بناء صرح السد العالي, والذي تم تصنيفه كواحد من بين أعظم10 مشاريع هندسية عملاقة في العالم, كما تم اختياره كأفضل مشروع بنية أساسية في العالم في القرن العشرين. ارتبط السد العالي ذلك المشروع العملاق الذي بلغت تكاليف بنائه في الستينيات400 مليون جنيه وهو رقم يقفز إلي أكثر من20 مليار جنيه في حال تشييده الآن بمشروع مصر القومي الذي تكاتفت حوله الإرادة الوطنية وقاده في حينه الرئيس جمال عبد الناصر, وخاض من أجله مواجهات سياسية مع الولايات المتحدة الأمريكية دون أن يترك لها مجالا للمساومة حتي في ظل ظروف التمويل العصيبة.
كيف تمر هذه الذكري الذهبية لبناء السد العالي الذي استطاع أن يغير مصير شعب بأكمله, دون أن يلتفت لها أحد, كيف تغيب عن أجندة الدولة الرسمية, وتتجاهل الحكومة الحدث الأبرز في القرن الماضي بعد حرب أكتوبر المجيدة. سيظل السد العالي رمزا لطاقة الأمة, شاهدا علي العطاء, ملحمة التحدي والإصرار, ومهما حدث من تجاهل سيبقي خالدا يرمز لمصر ونمائها, فهو الطاقة المتجددة التي تضيء مصر الساهرة ويروي عطش نباتها. قد تكون الأحداث الجسام حالت دون الانتباه, وقد تكون المواقف وتصفية الحسابات تدخلت في خلط المفاهيم, غير أن الثابت هو أن السد العالي لم يكن نتاج عمل شخص, حتي وإن كان جمال عبد الناصر, بل هو تضحيات شعب مصر, ومقياس جديد علي جهده الوفير, الذي يمتد من بناء الاهرامات وحفر قناة السويس وتشييد القناطر الخيرية.
لسنا في حاجة لمعرفة مميزاته وفوائده, وإسهامه في الدعم المائي وتوفير الطاقة لمصر, فيكفي أن نتخيل كيف يكون حال مصر بدون السد العالي؟ شيء في غاية الخطورة علي مصر, التي تكافح من أجل الحفاظ علي مكتسباتها من حصص مياه النهر الخالد, في ظل السدود الإثيوبية المخيفة. لم تكن كلمات الشاعر الكبير أحمد شفيق كامل عندما قال قلنا هنبني وأدي إحنا بنينا السد العالي إلا تلخيصا لتحدي وقدرة المصريين.
قررت كتابة هذا المقال لتذكرة شباب وأبناء هذا الوطن بهذا الإنجاز الفريد, وحتي ألقي الضوء لشباب هذا الجيل حول قيمة وأهمية هذا الصرح العظيم, في الوقت الذي نشهد فيه العديد منالإحباطات والمحاولات لطمس إنجازات مصر العظيمة التي مهما تم تناسيها وتجاهلها ستظل شامخة وضاءة بعظمة هذا الشعب. حكاية السد بدأت منذ أقدم العصور, حينما أدرك المصريون أهمية النيل في حياتهم, فكان التفكير في بناء سد لتخزين مياه النيل في السنوات ذات الوفرة المائيةلاستخدامها في مواجهة قلة أو ندرة المياه خلال سنوات الجفاف, حتي يقي مصر من مخاطر الجفاف أو الفيضان الذي قد يغرق المحاصيل. وما عزز من نجاح مشروع بناء السد العالي, هو أن أحلام ورؤي جيل ثورة23 يوليو1952 كانت تنحاز للطبقة الفقيرة محدودة الدخل, وكانت تسعي دائما إلي رفع المستوي المعيشي للفلاح وتنمية موارد وقدرات مصر الزراعية والصناعية. لقد وضعت قيادة ثورة يوليو1952 قضية التنمية علي قائمة أولوياتها; حيث تم إنشاء المجلس الدائم للإنتاج كهيئة مستقلة تتبع رئاسةمجلس الوزراء,ليتوليمهمة بحث ودراسة المشاريع الاقتصادية الكبري,ووضعمخطط وطني متكامل للتنمية الاقتصادية. وبدأ المجلس في مجموعة من الدراسات بالاستعانةبعدد من كبار الخبراء المصريين, من أمثالالمهندسينمحمود يونسوسمير حلميوعبد الحميد أبو بكر. كما تم الإستعانة بالمهندس اليوناني ادريان دانينوس والمهندس الإيطالي لويجي جاليلو عام1955, اللذين تقدما بمشروعهندسي للتخزين المستمر علي النيل في موقع جنوب أسوان, وهو الموقع الذي تم اختياره لبناء السد العالي بعد ذلك.
وفي يوليو1956, وبعد سحب تمويل السد العالي من البنك الدولي, تم الاستعانة بأحد الخبراء الروس ويدعي ماليشيفاوالذي صمم سد وارسو علي نهر الفولجا, وتم دراسة جميع الآثار المترتبة علي بناء السد العالي, منتعويض السودان لغرق مدينة حلفا أو تهجير أهالي مدينة النوبة. وبعد الانتهاء من دراسة جميع الجوانب,تم إطلاق إشارة البدء في تشييد السد العالي في يناير1960 بحضور الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر,ومجموعة من الرؤساء والملوك العرب, من بينهم الرئيس السوري شكري القوتلي, والملك محمد الخامس ملك المغرب,والرئيس اليمني عبد الله السلال.
وتعاقب علي وزارات السد العالي منذ إطلاق إشارة البدء وحتي الانتهاء من بنائه في يناير1971 مجموعة من خيرة مهندسي مصر وهم المهندسموسي عرفة, والدكتور حسن زكي,والمهندس صدقي سليمان, والمهندس حلمي السعيد.
إن تنفيذ مثل هذا المشروع العملاق, كان يحتاج لقرار سياسي جريء ورؤية استراتيجية بعيدة المدي, لتحويله من مجرد فكرة, إلي واقع ملموس, فهو الحلم القومي الذي تم تجنيد كل الطاقات والإمكانات والخبرات له حتي موضع التنفيذ. قد يكون لي انحيازات شخصية لهذا الإنجاز المصري العظيم, فوالدي رحمة الله عليه, كان من بين الآلاف من أبناء مصر الأوفياء الذين ساهموا بمجهوداتهم في تشييد هذا الصرح, وكان أخر وزير للكهرباء والسد العالي, وبحكم عمل والدي كنت أتابع عن قرب, كملايين المصريين التطورات المختلفة لمراحل بناء السد العالي بفرحة واشتياق, لأن نري هذا الحلم المصري, يتحول الي حقيقة وواقع ملموس.
اكتب ذلك في ظل ما يعاني منه الاقتصاد المصري من تحديات جسيمة, وفي ظل جهود الحكومة المصرية الحثيثة للحصول علي قرض صندوق النقد الدولي, ومحاولة الحصول علي بعض المساعدات الدولية والعربية المختلفة متمثلة في بعض الاستثمارات العربية و القطرية, وأدعو القائمين علي الحكم في مصر,لإعطاء أولوية قصوي لبناء مشاريع وطنية كبري, وأري أنه من الضروريوجود لجان متخصصة ينوط إليها طرح مثل هذه المشروعات ودراسة الجدوي والعائد منها,, مع ضرورة وجود دعم حكومي لها, من أجل تعبئة الجهود الوطنية, وجذب الاستثمارات العربيةوالأجنبية, وفقا لمعايير مصرية وطنية.
فأهمية المشروعات القومية لا تأتي فقط, لما توفره من فرص عمل وما تهدف إليهمن خلق طاقة إنتاجية جديدة للاقتصاد القومي, و لكن الأهم من ذلك هو درجة المشاركة الشعبية في مثل هذه المشروعات خاصة من أهل العلم والخبرة والمهنيين والقوي الاجتماعية والسياسية التي تساهم في مثل هذه المشروعات, مؤمنة بالعائد المتوقع علي أمن كل مواطن اقتصاديا واجتماعيا.
لذاأرجو أن يدرك القائمون علي الحكم أن السد العالي, من أعظم إنجازات مصر, وسيظل يسطع في سماء مصر, يعبر بكل صدق عن مرحلة مهمة من مراحل تاريخ المصريين ونضالهم من أجل كرامتهم ومصريتهم وعروبتهم, وأري أن ذكري بناء السد العالي, هي عيد وطني لكل المصريين, فلماذا هذا التجاهل؟.
المزيد من مقالات د.هالة حلمى السعيد


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.