دراسة أبعاد وخلفيات هزيمة الإرهاب فى مصر خلال السنوات العشر الأخيرة تعكس حقيقة واضحة مفادها بأن وحدة المصريين ووطنية الأقباط شكلتا محورًا رئيسيًا ضمن عوامل دحره بجانب عوامل أخري؛ حيث منحت الواقع المصرى مناعة ضد نمو التطرف توفير ملاذاته وحواضنه. المكافئ الوطنى الذى شكل الوحدة مع هذه الحالة هم المسلمون الوطنيون الطبيعيون الذين يعتنقون تصورًا للإسلام مختلفًا تمامًا عن تزييف وتحريف الجماعات المتطرفة؛ ليس فقط لأنه هو حقيقة الإسلام وجوهره، بل لكونه هو ما يحقق الرضا العام وصفاء العلاقة بين المصريين فى وطنهم، بحيث يُقطع الطريق أمام من يتحين الفرص للنفاذ من ثغرة الانقسام المجتمعى. تطورت خلال الأعوام الأخيرة، من حيث الإستراتيجية والأهداف العمليات الإرهابية التى استهدفت الأقباط؛ فلم تعد مجرد عمليات تقوم بها جماعات تكفيرية انطلاقًا من التصور المشوه الذى تعتنقه حيال المخالفين فى العقيدة، فى سياق عمليات لم تتجاوز مستوى الحقد الطائفى وشرعنة التحصل على أموالهم لتمويل تلك التنظيمات الإرهابية. حيث إن العمليات المتعاقبة خلال سنوات ما بعد يناير 2011 التى استهدفت الأقباط وكنائسهم فدلت على حرب ممنهجة وعكست إستراتيجية موحدة لمختلف جماعات الإسلام السياسى وتنظيمات السلفية الجهادية، ضمن مسار ما سُمى «بعولمة الجهاد» وانتقال تلك التنظيمات لمرحلة الحرب بالوكالة وارتباط غالبيتها بأجهزة استخبارات غربية وإقليمية. خطط المتآمرون ذوو الأطماع التوسعية من الخارج وعملاؤهم بالداخل لأن تتواصل العمليات الإرهابية ضد الأقباط لتصبح عنوانًا رئيسيًا للأحداث بمصر، وكان واضحًا حرص المخططين والمنفذين على أن يظهر الأقباط كمن يعيشون محنة ومعاناة لا شبيه لقسوتها فى التاريخ. تبين ذلك من التوزيع الجغرافى للعمليات التى نفذت ضد الأقباط على مدى السنوات الماضية من سيناء مرورًا بالقاهرة ومحافظات الدلتا والوادى وانتهاءً بمحافظات الصعيد.. أن الإرهابيين ورعاتهم ومموليهم بالخارج سعوا لبعث رسالة مفادها ألا أمان للأقباط فى عموم مصر. توصيف ما جرى لا يخرج عن كونه حربًا جمعت بين أهداف جماعات تكفيرية وإخوانية تتملكها رغبات محمومة فى الانفراد بالسلطة لقلب هوية الدولة وتشكيلها وفق تصوراتهم الرجعية، مع رغبة قوى إقليمية طامعة فى إضعاف الدولة وتفتيت المجتمع، ولذلك تتفاعل بالمنافع والمصالح المتبادلة كل من السياسات الطائفية لإيران وقطر وتركيا من جهة والإرهاب الطائفى الذى ترتكبه الجماعات التكفيرية وتنظيمات الإسلام السياسى من جهة أخرى. وجدت القوى الإقليمية التوسعية إرهاب تلك الجماعات ضد الأقباط محفزًا للتدخل حيث يهيئ المناخ الذى يمنحها تبرير حضورها تحت شعارات زائفة تعلن زورًا تمثيلها للإسلام والمسلمين والحكم الإسلامى، وتضمر أطماعًا دنيئة فى التوسع ونهب الثروات والسيطرة على مصادر الطاقة، ولذلك حظيت عمليات تلك الجماعات بتمويل سخى من تلك الدول بغرض التمهيد على المدى البعيد لإحداث الفراغ المأمول لتلك القوى بما يمنحها القدرة على خلق واقع ديمغرافى وجغرافى مختلف على الأرض. هزمت مصر هذه المشاريع وتلك المخططات بجهود جيشها العظيم وأجهزة أمنها اليقظة وبوعى المصريين الوطنيين وفى القلب منهم الأقباط بأهمية الانحياز إلى الدولة المصرية وتقديم مصالحها العليا ومباشرة النضال والإسهام فى نهضتها بتجرد وتضحية وحس وطنى، وبعدم الانجرار فى مسالك خطيرة تسعى لتوظيف ملف العلاقة بين المسلمين والأقباط لتنفيذ مؤامرات تخدم من يسعى لفرض إرادته على المصريين عبر إضعاف دولتهم وتمزيق مجتمعهم. فقدان الانتماء الوطنى والمسئولية الوطنية أوقع بعض المصريين فى فخ مخطط ممنهج لحرق وتدمير مصر ومحاولة إسقاطها وهدم صروحها الثقافية والعلمية والحضارية حجرًا حجرًا، فضلًا عن مؤسساتها الأمنية وأجهزتها السيادية لتصبح مسرحاً للفوضى والفتن والصراعات. فى المقابل وعلى الرغم من ضخامة وهول التحديات وبشاعة ودموية الاعتداءات التى تعرض لها الاقباط، لم يقدم الأقباط تنازلات لقوى خارجية ولم يعلنوا تحالفًا مضادًا ومناهضًا للمصلحة المصرية الوطنية مع قوة إقليمية أو دولية، ولم يستجيبوا لإلحاح جهات وقوى خارجية نافذة لتبنى قضيتهم فى مرحلة من المراحل. ناضل الأقباط وضحوا واعتصموا بالوحدة حتى لا تضعف مصر وحتى لا تتحقق على الأرض رغبات أعدائها فى تفكيكها وتقسيمها وتمزيقها، الأمر الذى أربك القوى التى تقف وراء المخططات الإرهابية، ويحول دون تحقيق مخططاتها ومشاريعها التوسعية وجود دولة قوية وطنية مدنية تعددية متماسكة ومجتمع موحد ووجود جيش وطنى قوى. كل عام والأقباط ركن الوطن وروحه، فإنجازهم بتقديمهم مصلحة الدولة المصرية رغم ما تعرضوا له على يد الإرهاب التكفيرى يأخذ مكانه ضمن تاريخ نضالهم الوطنى الطويل، وكما قادوا وشاركوا فى حركات التحرر والصمود أمام المستعمر وكما خدموا القومية المصرية والعربية، يواصلون المسيرة ليصمد نسيج الوطن فى مواجهة حرب الإرهاب التى أرادوا لها أن تتوسع بعمق وامتداد الجغرافيا المصرية. لمزيد من مقالات هشام النجار