ترتكز الانطلاقة الشاملة والمرعبة ضد تيارات وقوى الظلام -العملية الكبرى ضد الإرهاب.. سيناء 2018م- على بعدين اثنين؛ الأول: التصدى بالقوة الرادعة للقوى الخارجية الطامعة فى ثروات مصر ومكانتها الريادية فى الشرق. ومن يطلع على كتابات منظرين على دراية بما يدور فى كواليس أجهزة المخابرات يدرك جيدًا كيف يتحرك جهاز المخابرات التركى وكيف ومتى ولماذا يتخذ أردوغان قرارات تبدو جنونية، لكنها فى واقع الأمر خادمة لمصالحه. فى سوريا كان الغاز والمكانة والريادة والنفوذ الاستراتيجى هو المحرك للحرب وللأطماع، وظهرت جماعات التكفير المسلح بفقرها الفكرى وضآلتها القيمية كمن لا يملك إلا أن يشتغل كمرتزقة مأجور لدى دول خططت لسرقة دول عربية واجتزاء مساحات إستراتيجية من أرضها. أردوغان الآن احتوى واستقبل غالبية المهزومين والفارين من المعارك من أعضاء داعش والقاعدة والإخوان، ليقود بهم حروبه على مختلف المحاور، وبعد أن كان شريكًا يبحث عن دور بجانب زعماء آخرين كالبغدادى والجولانى -ممثل الظواهرى فى سوريا-، صار الآن بمثابة الزعيم الذى يعتلى عرش الجماعات المسلحة ويوزع ميليشياتها ويرسل مقاتليها أينما شاء وحيث يشتم رائحة النفط والغاز والنفوذ الاستراتيجي. التطورات فى سيناء وعلى صعيد التحولات والتغيرات التى طرأت على تنظيم داعش الإجرامى تشى بألعاب إقليمية خطيرة تسعى لمعاكسة ما توصلت إليه مصر عبر تأمين تفاهمات اضطرارية لحماية الحدود وتجفيف منابع الإرهاب. فيديو إعدام عضو فى التنظيم بزعم التجسس لحساب حماس، ثم إحباط عملية اغتيال القيادى بحماس إسماعيل هنية، والترويج لقيادة فلسطينية للتنظيم المدعو «أبو جرز»، جميعها دلالات قوية على أن اللاعب الإقليمى الوقح سعى بقوة لتمرد العناصر الأكثر تشددًا لربط غزةبسيناء بخط نار إرهابى يشعل المسار الذى قادته مصر صوب ضبط الحدود وحصار التكفيريين المسلحين. ثروات مصر وغازها المكتشف واقتصادها وحدودها ودورها الإقليمى ومكانتها العربية والدولية وأرضها وثقلها التاريخى والحضارى وهويتها وجغرافيتها وموقعها الاستراتيجي، كل هذا وغيره مستهدف من مغامر ميكافيللى مهووس يحكم بلده بالحديد والنار ويسجن حتى من يغرد على صفحته الخاصة بمعارضته ونقده. ومن مقامر دموى قاطع طريق يشغل مرتزقة من مختلف بلاد العالم للسطو على ثروات البلاد واحتلال أراضيها، ولن تنتظر مصر حتى يتمكن العثمانلى المغرور من تحقيق ولو جزء من أهدافه فى مصر. البعد الثاني: تأمين المسار الوطنى المصرى وحمايته من غزو التزييف والتشويه والانتقاص، ومن محاولات حرفه عبر شغل الناس بما هو أدنى أهمية فى قائمة الأولويات. الآن وقد ثبت لكل القوى التى تلكأت منذ البداية فى التعاون مع الجيش المصرى فى محاربة الإرهاب، صوابية الرؤية المصرية؛ بشأن أن أساس الانطلاق نحو ديمقراطية سليمة والترسيخ لمفهوم الدولة المدنية ومشاريع الإصلاح السياسى والاقتصادى والاجتماعى هو القضاء أولًا على الإرهاب. ما يجرى فى تركيا وفى كل الدول التى صعد فيها تيار الإسلام السياسى عبر ديمقراطية كارثية موهومة يؤكد نظريتنا، فالديمقراطية السليمة تبنى أولًا بالحفاظ على استقلال الإرادة والقضاء على بؤر الاستغلال السياسى والاقتصادى والاجتماعي. نتكلم عن الإقطاع ورأس المال والنفوذ الخارجى الذى واجهه عبدالناصر أولًا، وعن الطائفية والأفكار الرجعية الظلامية التى تعتنقها الآن تيارات صارت مرتهنة تمامًا لقوى طامعة توسعية استعمارية جديدة على الساحة. الثورة التى قضت فعليًا على سيطرة رأس المال بعد أن كان هناك من يستطيع إسقاط وزارة بخمسين ألف جنيه هى أول طريق الديمقراطية السليمة، ولا تزال إلى الآن مستمرة لأن هذه الديمقراطية لن تستكمل ولن تتحقق مع انتشار جماعات وتنظيمات طائفية. مع استمرار نفوذ جماعات طائفية مؤدلجة ملوثة بالمال التركى والقطرى فلا معنى لاقتراع شكلى فى الصناديق إلا إضفاء المشروعية على نظام طائفى جاءت الديمقراطية لاستئصاله، وهو نفس المنطق الذى تحرك به عبد الناصر فى سياق التعامل مع الإقطاع والرجعية. هذه لعبة يضحك بها أردوغان على الداخل التركى وعلى صبيانه فى الإسلام السياسى الذين رغم ديكتاتوريته واستبداده يعتبرونه جاك روسو وقائد الحريات ورافع لواء النهضة. ما دامت هناك جماعات دينية تتبع لمصالح الخارج فتصويت قطاع من المضحوك عليهم سيكون على أساس طائفى لا على أساس برامج سياسية واستحقاق مبنى على الجدارة والخبرة، لذلك لا تنطلى علينا ألاعيب أردوغان ومزاعم التيار الدينى الذى صار يزعم فجأة احترامه وإيمانه بالديمقراطية. إذن نحن نواصل بناء ديمقراطيتنا الخاصة بنا المبنية على رؤى وأسس سليمة ومصداقية فى الطرح دون ادعاءات ومزاعم فارغة مخادعة، مقابل أكاذيب ونظم مهترئة ونماذج استحلت خداع شعوبها وتظن أنها قادرة على خداع شعوبنا كالنموذج التركي، الذى صعد بالصناديق ثم سيطر على مفاصل السلطة وانتهى إلى نظام قمعى يقتل ويسجن من يفكر فى المعارضة ويجر بلاده نحو حرب أهلية. نواصل نهضتنا التى تقلق أمثال أردوغان من بعض وارثى الأحقاد والنفسيات المريضة بداء الكبر والتسلط، والحديث عن النهضة الاقتصادية المدروسة شبيه بمرحلية الديمقراطية السليمة لا المكذوبة المزعومة؛ لأن مصر بدأت قبل مائتى عام، بل أنشأت بنيتها التحتية فى عهد الخديو إسماعيل بينما كان الأتراك وزائروهم يسدون أنوفهم بأيديهم بسبب رائحة الصرف الصحى المنبعثة من خليج البوسفور فى أكبر مدن تركيا فى تسعينيات القرن الماضي. نواصل ما حققناه على جميع الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية منذ طردنا الاحتلال وأقصينا أعوانه، وسنحمى هذه الرؤية وهذا المشروع بأرواحنا، ولذلك يحارب جيشنا وشرطتنا بكل قوة وعزيمة. والأخطر هو الحفاظ على أهم مكتسباتنا؛ وهو أنه صار يحكمنا رجل مصرى وطنى للمرة الأولى منذ ألفى عام.