فى الملتقى الثالث للحوار الذى عقدته مؤسسة «ياسر عرفات» فى القاهرة أخيرا، لبحث التحديات المطروحة فلسطينيا وعربيا مع الإدارة الأمريكية الجديدة، اتفق المتحدثون حول تشخيص الموقف الراهن، فمن ناحية موقف الإدارة الأمريكية الجديدة الذى تم التعبير عنه بالتلميح تارة وبالتصريح تارة أخرى يتمثل فى التخلى المحتمل عن حل الدولتين، أو ما يتم الاتفاق حوله بين الأطراف، وهذا الموقف لم يتم اعتماده رسميا، ولكنه يبقى فى طور «التشكل»، ومن ناحية أخرى فإن التوجهات الإسرائيلية نحو حل الدولتين وتقاسم الأرض قد انتقلت إلى حل الدولة الواحدة والتقاسم الوظيفى، أى تقاسم الصلاحيات والوظائف فى إطار السيادة الإسرائيلية. وعلى صعيد آخر فإن كلا من هذين العنصرين السابقين على الصعيد الأمريكى والإسرائيلى يتطلبان تأكيد التوجه الدبلوماسى الفلسطينى على صعيد المجتمع الدولى والتمسك بالشرعية الدولية ومبادئ القانون الدولى وتفعيل حملات التضامن مع الشعب الفلسطينى بهدف تدعيم المقاطعة الرسمية والمقاطعات الشعبية لإسرائيل وإنهاء الانقسام الفلسطينى الفلسطينى. وبالرغم من سلامة هذا التشخيص للوضع الراهن بتشابكاته الإقليمية والدولية وصحة التوجهات التى ارتسمت فى هذا اللقاء حول مواجهة هذا الموقف وأساليب هذه المواجهة، فإن المسكوت عنه يفوق بكثير المنطوق به، ذلك أن الحالة الراهنة فى الصراع الفلسطينى الإسرائيلى والصراع العربى الإسرائيلى تتطلب مراجعة نقدية شاملة تعيد النظر فى الأسس والمنطلقات التى استندت عليها عملية السلام الفلسطينية الإسرائيلية، بهدف استلهام الدروس والعبر، والتأسيس لمرحلة جديدة فى النضال الفلسطينى من أجل الدولة الفلسطينية والقدس واللاجئين على ضوء التغير الراهن والمحتمل فى المعطيات الإقليمية والدولية، أو على الأقل فى بعض هذه المعطيات والحال أن الخطاب الرسمى حول مسئولية إسرائيل ومسئولية الولاياتالمتحدةالأمريكية عما آل إليه الوضع واحتمال طمس حل الدولتين؛ عبر كثافة وانتشار الاستيطان الإسرائيلى فى الضفة الغربية وبالذات المنطقة (ج) التى تمثل نحو 60% من أراضى الضفة الغربية وكذلك فى القدس ومحيطها وتقنين وشرعنة الاستيطان وصمت الإدارات الأمريكية السابقة وقصورها فى مواجهة الاستيطان وتمسكها اللفظى بحل الدولتين، دون محاولة ممارسة الضغوط لتحقيقه وتنفيذه عمليا، ليس بمقدوره التغطية على المسئولية الحقيقية وليست المتخيلة التى يتحملها الجانب الفلسطينى والعربى خاصة فيما آلت إليه الأمور. فى مقدور المراقب المحايد أن يلحظ أن التوجه الاستراتيجى الإسرائيلى الجديد الذى يتنكر لحل الدولتين، لم يظهر هكذا فجأة وبدون مقدمات، ولم يتبلور بين عشية وضحاها، ولكنه اتجاه بدأ يشق مجراه منذ ما يزيد على الأربعة والعشرين عاما منذ عقد اتفاق أوسلو، أو إعلان المبادئ فى 13 سبتمبر عام 1993، والشواهد التى تنطق بذلك كثيرة ومتعددة، من بينها مثلا أن وتيرة الاستيطان قد تضاعفت خلال سنوات أوسلو، فزاد عدد المستوطنات والمستوطنين بهدف تكريس الأمر الواقع، وتنفيذ مخطط القضم التدريجى للأراضى الفلسطينية، أما صلب اتفاق إعلان المبادئ ذاته فلم يتضمن نصا صريحا حول الانسحاب والجلاء عن الأراضى الفلسطينية المحتلة، بل تضمن نصا حول إعادة الانتشار وهو ما عنى بالنسبة لإسرائيل جواز مرور للاستيلاء على الأراضى الفلسطينية وتأكيد سيطرتها فى الواقع العملى، من ناحية أخرى فإن الاتفاق قد أرجأ جميع القضايا الأساسية للحل الدائم وهى الاستيطان والحدود والمياه واللاجئين والدولة إلى مرحلة تالية من تطبيقه تبحث فى العالم الثالث من هذا التطبيق، وهو ما منح إسرائيل فرصة إضافية للتنصل من الالتزام والاستمرار فى المماطلة والتسويف بهدف تعزيز الفرصة لمخططها فى تقويض فرصة حل الدولتين. وهكذا توقفت أوسلو عند مراحلها الأولى فى إعادة الانتشار وانتهت المرحلة النهائية بفشل مؤتمر كامب ديفيد الثانية مع إدارة كلينتون، ودخلت التسوية فى مرحلة التيه والوصول إلى النقطة التى خططت لها إسرائيل تحت غبار عملية سلام وهمية امتدت لعدة عقود. وذلك يعنى بداية أن نستوعب أنه لا يمكن معالجة الوضع الراهن بذات الأساليب وبذات الاستراتيجية ونمط التفكير والعقلية الذى أسهم فى الوصول إليه، فالقضية الفلسطينية توجد فى وضع جديد ومرحلة جديدة على كل صعيد وتحتاج إلى مقاربات تتناسب مع هذه المرحلة. أولى عناصر هذه المقاربة تتمثل فى نقد التوجهات التى حكمت مسيرة هذه الأعوام، وتملك الشجاعة للاعتراف بالأخطاء، واستيعاب حقيقة أن الاعتراف بالخطأ ليس نقيصة أو مساسا بمكانة من ارتكبه، بل هو فضيلة لا يمتلكها إلا الأقوياء، والأهم من الاعتراف بالخطأ هو محاولة تصويبه بهدف تأسيس رؤية جديدة، تأخذ فى اعتبارها المعطيات الراهنة وتشدد على الدروس المستفادة وتبنى آليات مؤسسية لمعالجة الأخطاء عند وقوعها، إن الاعتراف والنقد والمواجهة مع النفس هى أساس التطور وتمثل عملية تأسيسية لا غنى عنها. أما ثانى هذه العناصر فيتمثل فى النظر إلى الشرعية الدولية المتمثلة فى القرارات الأممية ومبادئ القانون الدولى والقانون الإنسانى الدولى وقانون حقوق الإنسان، باعتبارها كلا متجانسا ومتكاملا لا يقبل التجزئة والانتقاء، وذلك يعنى أن حق المقاومة للاحتلال حق لا يمكن تجاهله وهو يمثل الطريق لتغيير المعادلة الراهنة، المقاومة بمعناها الشامل المدنى والسياسى والكفاحى وتوفير الإجماع الوطنى واستدعاء المخزون الكفاحى للشعب الفلسطينى فى سنوات السبعينيات والانتفاضة الأولى. أما ثالث هذه العناصر فيتمثل فى تحرير المشروع الوطنى الفلسطينى من الارتباطات الإقليمية، خاصة دول مثل تركيا وإيران، ذلك أن هذه الدول لا تتجاوز القضية الفلسطينية فى سياساتها مجرد ورقة، تستثمرها لتدعيم وتعزيز مكانتها الإقليمية ومشروعها الإقليمى فى الصراع الإقليمى الراهن. وأخيرا وليس آخرا فإن تحرير المشروع الوطنى الفلسطينى من الإيديولوجيا يبدو كضرورة لا غنى عنها، ذلك المشروع الوطنى التحررى الذى يستهدف الجلاء والانسحاب لقوات الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس ليس بحاجة إلى إيديولوجيا تشرع للانقسام والاصطفاف التعبوى خلف الشعارات الإيديولوجية، فالأهداف واضحة وكذلك الوسائل والخبرات الكفاحية للشعوب فى مواجهة الاحتلال، وتوحيد الفلسطينيين فى مواجهة الموقف الراهن يمثل الرد الحقيقى على التحديات الراهنة. لمزيد من مقالات د. عبد العليم محمد;