تقف ريهام أمام المرآة كل يوم، تحدِّق فى ملامحها كأنها تبحث عن إجابة لسؤال يؤرقها منذ سنوات، لماذا تأخر نصيبها فى الزواج؟ مر العمر سريعا ولم تجد شريك حياتها المناسب، تتابعت زيجات صديقاتها واحدة تلو الأخرى، بينما ظلت عالقة فى مكانها وحيدة، تخفى بداخلها انكسارًا وألمًا. كانت كلمات المحيطين بها بمثابة سكاكين حادة تقطع نياط قلبها، نظرات الشفقة والهمسات تزيد من جراحها، حتى ضجت بهذه المشاعر، ومع تزايد شعورها بالوحدة والخوف من فوات الأوان، وجدت نفسها تنجذب إلى صفحات على مواقع التواصل الاجتماعى، تعلن عن فك السحر، وجلب الحبيب، وتعجيل الزواج. فى لحظة ضعف قررت أن تجرِّب حظها، فبعثت برسالة أولى لأحد الشيوخ المشهود لهم بالبركة والسر الباتع على حد زعمه، فأخبرها بوجود عمل سفلى يعيق زواجها، وطلب منها تحويل 2000 جنيه مقابل ثلاث جلسات متتالية، كانت تتشبث بأى أمل مهما كان ضعيفا، طلب منها ترديد بعض الكلمات والتمتمات التى لم تفهم معناها، فضلا عن القيام ببعض الطقوس لطرد العين الشريرة المصاحبة لها كقص أطراف شعرها ودفنها فى حفرة عميقة، وغيرها من الأفعال الغريبة. كانت تمر الأيام ولا ترى أى اختلاف، فمازال العرسان لا يدقون باب منزلها، بل إنها أصبحت تشعر أيضا بآلام نفسية، ما زاد من علتها وشقائها، لم تخسر مالها فحسب بل خسرت أيضا سلامها النفسى، وثقتها بذاتها. العلاج الروحانى لم يكن على يدرك ما الذى يثقل صدره كل هذا الثقل، لم يكن ألما جسديا يمكن تحديد موضعه، بل وجع غامض يتسلل إلى روحه، يربك أيامه ويثقل لياليه، حاول أن يفسر ما يشعر به، فطرق أبواب الكثير من الأطباء النفسيين، التزم بالعلاج وانقطع عنه تارة، لكنه لم يجد ما يشفى روحه وقلبه. ومع تزايد حالته سوءا، وتراكم الإحباط من غياب التشخيص الواضح، بدأ يبحث عن أى خيط يفسر ما يحدث له، حتى اقترح عليه أحد أصدقائه زيارة أحد المعالجين الروحانيين، معللا ذلك بعلاقة النفس بقرينها، وإمكانية علاجه ذلك الخلل. تواصل على مع أحد هؤلاء المعالجين الذى أخبره بعد حديث قصير إنت معمول لك عمل بالضيق.. وهناك تأثير من القرين يثقل روحك!، بدت الكلمات وكأنها تضع تفسيرا جاهزا لكل ما يعانيه، طلب منه الالتزام بخمس جلسات علاجية، مقابل مبالغ مالية تدفع تباعا، إلى جانب حبة دوائية تساعده على فك الأثر. تعلق بالأمل الجديد بعد دفعه المال، وانتظم فى الجلسات، لكن شيئا لم يحدث، بل على العكس ازدادت حالته سوءًا، وتعمق شعوره بالضيق والارتباك، وفقد ثقته فى كل من حوله، بل فكر فى الانتحار والتخلص من حياته. وقائع متكررة وخلال الأعوام الأخيرة الماضية نشطت الأجهزة الأمنية فى ضبط العديد من المروِّجين الاعيب الدجل، حيث تم ضبط شخص عاطل بمحافظة الجيزة أنشأ صفحة على الفيس بوك زعم من خلالها قدرته على فك السحر وجلب الحبيب، واستولى على أموال عدد من الضحايا بعد إقناعهم بضرورة تحويل مبالغ مالية على مراحل لإتمام العلاج. وفى واقعة أخرى بمحافظة الإسكندرية تم ضبط شخص حوّل شقته إلى ما يشبه مركزا للعلاج الروحانى، حيث كان يستقبل ضحاياه ويوهمهم بقدراته على علاج الأمراض، وفك الأعمال مقابل مبالغ مالية، قبل أن تكشف التحريات عدم صحة ادعاءاته. وفى واقعة لافتة تم ضبط أحد الأشخاص بعد نشره مقاطع فيديو عبر تطبيق اتيك توكب، يظهر من خلالها وهو يؤدى طقوسًا غامضة، مدعيا تواصله مع الجن، قبل أن يستقطب متابعين ويحولهم إلى ضحايا يدفعون مقابل جلسات خاصة. وفى أسيوط أصدرت السلطات القضائية حكما على عاطل بالسجن 15 عاما، لإنشائه حسابا وهميا باسم االشيخة أميرة المصريةب على افيسبوكب، بهدف استقطاب ضحاياه من الرجال والنساء بغرض العلاج الروحانى، وبعد حصوله على صور خاصة من ضحاياه كان يقوم بابتزازهم ماليا لعدم نشرها. خلل نفسى ويقول الدكتور وليد هندى استشارى الصحة النفسية: يلجأ العديد من الأفراد إلى المعالجين الروحانيين وممارسى الدجل فى حالات الضيق النفسى المرتبط غالبا بعدم القدرة على تفسير الأعراض النفسية بشكل علمى، كما أن أغلبهم يميلون لتصديق الأفكار الخرافية مثل الخرزة الزرقاء لدفع الحسد، ورش الملح لطرد الأرواح الشريرة، كذلك كف اليد خمسة وخميسة. ويرى أن هناك سمات متكررة لدى كثير من الضحايا أهمها ضعف الوعى بأساليب التفسير النفسى السليم، وغياب المفاهيم الدينية بشكلها الصحيح، مما يجعلهم أكثر تصديقا لتفسير معاناتهم فى إطار غيبى مثل الحسد والسحر أو القرين، بدلا من البحث عن أسباب نفسية أو اجتماعية أو حتى طبية. ويشير إلى أن هذا النمط من التفكير لا يرتبط بالجهل فقط، بل يتغذى على القلق والضغط النفسى والرغبة فى الوصول لتفسير سريع للألم، وهو ما يستغله مروجو الشعوذة وألاعيبها. ويطالب هندى بضرورة نشر الوعى المجتمعى من خلال حملات إعلامية موجهة يشارك فيها دعاة من وزارة الأوقاف والكنيسة، فضلا عن بعض الخبراء النفسيين والاجتماعيين لبيان الآثار السلبية الناجمة عن الظاهرة. نصب منظم ويقول اللواء رأفت الشرقاوى مساعد وزير الداخلية الأسبق: تحول الدجل والشعوذة فى الآونة الأخيرة إلى أحد أشكال النصب المنظم الذى يعتمد على استغلال مواقع التواصل الاجتماعى فى استدراج الضحايا، ويوضح أن ما يروَّج تحت مسميات مثل االعلاج الروحانىب وافك الأعمالب ليس سوى وسيلة احتيال تهدف إلى السيطرة على الضحايا نفسيا أولا، ثم استنزافهم ماديا على مراحل. ويشير إلى أن خطورة هذه الجرائم تكمن فى أنها لم تعد تقتصر على أماكن مغلقة أو ممارسات فردية، بل أصبحت تدار عبر صفحات إلكترونية وفيديوهات مباشرة، مما يمنحها قدرة أكبر للوصول إلى فئات واسعة من المواطنين خاصة الذين يعانون ضغوطا نفسية أو اجتماعية. عقوبة قانونية أما عن العقوبات القانونية فيقول أحمد نوح المحامى: تعد ممارسات الدجل والشعوذة جريمة نصب واحتيال متى ارتبطت بالحصول على أموال أو منافع مادية من الضحايا وفقا للمادة 336 من قانون العقوبات، وتنص المادة على معاقبة كل من استولى على مال الغير باستخدام طرق احتيالية، أو اتخاذ اسم كاذب أو صفة غير صحيحة. ويشير إلى أن العقوبة تصل فى هذه الحالات إلى الحبس لمدة ثلاث سنوات، وقد تشدد بحسب ظروف الواقعة، خاصة إذا اقترنت باستغلال ضعف الضحايا أو تكرار الفعل أو وجود أكثر من مجنى عليه، ويعاقب بالحبس والغرامة التى لا تقل عن 20 ألف جنيه كل من ارتكب هذه الأعمال. ويضيف نوح: كما يمكن أن تمتد المساءلة القانونية لتشمل جرائم أخرى فى حال استخدام الوسائل الإلكترونية، مثل إنشاء صفحات أو حسابات على مواقع التواصل الاجتماعى بغرض الاحتيال، وهو ما يندرج تحت قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات. انتفاضة رسمية ودفع العديد من حوادث الدجل والشعوذة التى تزايدت مؤخرا مجلس الشيوخ للتحرك، ومناقشة مشروع قانون يستهدف تجريم أعمال الدجل والشعوذة بنصوص صريحة، بدلا من تركها للاجتهاد تحت مسمى النصب، ويقوم المشروع الذى تقدم به النائب الشيخ أحمد ترك أمين سر اللجنة الدينية بالمجلس على توسيع نطاق التجريم ليشمل كل صور ادعاء القدرة فى التأثير فى الغيب أو التلاعب بمصائر الأفراد، تحت دعاوى افك الأعمالب أو اجلب الحظب، أو االعلاج الروحانىب دون سند علمى، كذلك ممارسة قراءة التاروت. وأوضح أن المقترح يشمل أيضا حجب المواقع والمنصات الإلكترونية التى تروِّج للدجل، واعتماد وسائل الإعلام على معالجة المشكلة بأساليب تعليمية وتوعوية، بدلا من الترويج لها.. مقدرا حجم إنفاق المصريين على هذه المواقع بنحو 40 مليار جنيه سنويا على هذه الممارسات، مما يمثل تهديدا مباشرا للاقتصاد الوطنى، فضلا عن تأثيراته السلبية على العقل الجمعى، ووعى المجتمع. اقرأ أيضا: خدعة العلاج الروحاني.. «دجال كرموز» في قبضة الأمن