حسن حافظ تعدُ الكنيسة المعلقة واحدة من أجمل الكنائس فى مصر والعالم، فالجمال الباذخ الذى يطل عليك فى كل تفصيلة فى جدران هذه الكنيسة العريقة يغمرك بحالة من البهجة والراحة التى يندر أن تجدها فى أى مكان آخر، فالكنيسة التاريخية العريقة تجمع بين تراث مسيحى عريق وجمال معمارى فريد وقصص تحكى بعض فصول تاريخ مصر بطبقاته المتعددة والمتداخلة ليضمن المكان خصوصية لا تتواجد فى غيره من الأماكن. تقع الكنيسة المعلقة فى منطقة مصر القديمة، وتحديدا فى المساحة المعروفة بمجمع الأديان، بالقرب منها جامع عمرو بن العاص أول مسجد جامع فى مصر، وبجوارها معبد بن عزرا المكرس لليهود، لذا تغلب الروحانية على المكان الذى يضم طبقات تاريخية متعددة كان للكنيسة المعلقة نصيب الأسد منها، كونها بُنيت على أحد أبراج حصن بابليون الذى فتحه العرب عند دخولهم مصر، ولبناء الكنيسة على برج مرتفع عرفت باسم الكنيسة المعلقة كون الصعود إليها يتم باستخدام عدة درجات من السلالم. الكنيسة المعلقة تجربة من الهدوء والسلام، فأول ما تقع عليه عيناك هو برجا الكنيسة التوأمان، ثم تبدأ رحلة الصعود إلى مدخلها الخشبى عبر درجات سلالم وعددها 29 درجة، كأنها رحلة روحية للصعود إلى السماء، عند عبور البوابات ذات التكوينات الخشبية البديعة تدخل إلى الكنيسة التاريخية حيث يشد بصرك بجمال الأيقونات، لكن ما يخطف النظر هو حاجز الأيقونات الخشبى المستخدم فيه أعمال ترصيع الخشب، وهو الجدار المعروف باسم الأيقونسطاس، الذى يفصل بين صحن الكنيسة والهيكل، ويتميز بكونه مصنوعا من خشب الأبنوس المطعم بالعاج. ويعود تاريخ الحاجز الخشبى إلى القرن الثانى عشر الميلادى، وهو مزين بنقوش هندسية دقيقة وكتابات قبطية وصلبان يعلوها أيقونات للسيد المسيح والسيدة مريم وعدد من القديسين، ونظرا للتشابه بين هذه الأعمال الخشبية الهندسية وبين شقيقتها فى الجوامع التاريخية بالقاهرة، يرى البعض أن القائمين على تنفيذ هذه الأعمال هم من العمال المصريين المسلمين، خاصة أن أهم ترميم أُجرى على الكنيسة تم بأمر من الخليفة الفاطمى العزيز بالله، بحسب ما يشير المؤرخ القبطى أبو المكارم فى كتابه (تاريخ الكنائس والأديرة)، لكن ما يميز الكنيسة المعلقة كما الجوامع القاهرية هو روح الفنان المصرى وبصمته التى لا تخطئها العين. الباحث يوسف برسوم المتخصص فى التاريخ المصرى وباحث الدكتوراه بكلية الدراسات الإفريقية يقول إن الكنيسة المعلقة تعد واحدة من أقدم الكنائس فى مدينة القاهرة، وتعد واحدة من أهم الكنائس المسيحية فى مصر كلها، بسبب تاريخها المتراكم منذ بنائها فى حدود القرن الرابع أو الخامس الميلاديين، وشهدت العديد من العصور وتقلب أنظمة الحكم، كما أنها ارتبطت بتحول تاريخى عبر نقل مقر البطريرك الأرثوذكسى من الإسكندرية إلى القاهرة لأول مرة، إذ كان المقر البطريركى لبابا الإسكندرية فى الأخيرة لمدة ألف سنة تقريبا، لكن مع دخول العرب مصر وانتقال مركز الثقل السياسى إلى مدينة الفسطاط (مصر القديمة حاليا) قررت الكنيسة نقل مقر إقامة البطريرك إلى القاهرة وتحديدا الكنيسة المعلقة التى أصبحت أول مقر بطريركى بالقاهرة فى العصر الفاطمى. وأشار برسوم إلى أن البابا خرستوذولس هو أول من نقل المقر البابوى خارج الإسكندرية إلى الكنيسة المعلقة التى جعلها مقر البطريرك الأرثوذكسى، وذلك بسبب انتقال مقر الحكم من الإسكندرية إلى القاهرة وتواجد الكتلة الأكبر من المسيحيين فى القاهرة والفسطاط، وظل المقر البابوى فى الكنيسة المعلقة لنحو ثلاثة قرون قبل أن يُنقل إلى كنيسة السيدة العذراء بحارة زويلة فى القرن الرابع عشر الميلادى، وظل يتنقل بين عدة كنائس داخل القاهرة حتى بناء كاتدرائية القديس مرقس بالعباسية نهاية ستينيات القرن العشرين، ولفت إلى أن الكنيسة تكتسب مكانة خاصة عند المسيحيين المصريين، لاعتقادهم بأنها كانت جزءا من مسار العائلة المقدسة فى مصر، ويقال إنها بُنيت على مكان اختباء السيدة العذراء وابنها المسيح خلال رحلتهما إلى مصر هربا من اضطهاد اليهود والرومان فى فلسطين. اقرأ أيضا: فيلم الكنيسة المعلقة.. رحلة تاريخية في سلسلة عارف عبر مكتبة الإسكندرية