بقلم: د.إبراهيم مجدى .. استشارى الطب النفسى لم تعد عملية تجنيد الشباب في التنظيمات المتطرفة تعتمد على اللقاءات السرية أو الخطب التقليدية كما كان الحال في الماضي، بل انتقلت بشكل واضح إلى الفضاء الرقمي، حيث أصبحت الهواتف المحمولة ومنصات التواصل الاجتماعي هي الساحة الرئيسية لهذا النوع من الاستقطاب. ومع ظهور جيل Gen Z، الذي نشأ بالكامل داخل هذا العالم الرقمي، أصبح هذا الجيل هدفًا مباشرًا لاستراتيجيات تجنيد أكثر تطورًا وتعقيدًا. في البداية، لا يبدو الأمر خطيرًا. قد يبدأ كل شيء بمقطع فيديو قصير، أو منشور يتناول قضية إنسانية، أو حتى رسالة دعم نفسي. هذا ما يُعرف بالمدخل الناعم، حيث يتم جذب انتباه الشاب دون إثارة أي شكوك. ومع الوقت، يبدأ المحتوى في التغير تدريجيًا، حيث يتم إدخال رسائل تحمل طابعًا أيديولوجيًا بشكل غير مباشر، إلى أن يجد الشخص نفسه داخل دائرة مغلقة من الأفكار المتشابهة. داخل هذه الدوائر، يعاد تشكيل وعي الفرد بشكل تدريجي. يتم التركيز على مشاعر الظلم والإقصاء، وتقديم تفسيرات انتقائية للأحداث، مع خلق حالة استقطاب حاد بين "نحن" و"هم". هذا النمط من التفكير الثنائي يُعد من أهم الأدوات النفسية التي تُستخدم لتهيئة الفرد لتقبل أفكار أكثر تطرفًا. وقد ظهرت هذه الأساليب بوضوح في تجارب تنظيمات عنيفة اعتمدت بشكل كبير على الإعلام الرقمي في التجنيد، حيث استخدمت الفيديوهات والمحتوى البصري لإضفاء طابع بطولي على أفكارها. وفي المقابل، هناك تنظيمات أخرى تعتمد على أسلوب أكثر هدوءًا وتدرجًا، حيث تبدأ ببناء علاقات اجتماعية قوية، ثم تقدم خطابًا فكريًا تدريجيًا، إلى أن يصل الفرد إلى مرحلة الارتباط الكامل. من منظور علم النفس، فإن نجاح هذه الأساليب لا يعتمد فقط على قوة الرسالة، بل على استغلال احتياجات نفسية أساسية لدى الشباب. فالمراهق أو الشاب في هذه المرحلة يبحث عن الهوية، ويحاول فهم مكانه في العالم، ويسعى إلى الشعور بالأهمية والانتماء. وعندما لا يجد هذه الاحتياجات مشبعة في محيطه الطبيعي، يصبح أكثر عرضة للبحث عنها في أماكن بديلة، حتى لو كانت تحمل أفكارًا متطرفة. كما تلعب مشاعر الإحباط والفشل دورًا مهمًا في زيادة قابلية التأثر. فالشاب الذي يشعر بالتهميش أو عدم التقدير يكون أكثر استعدادًا لتقبل خطاب يمنحه إحساسًا بالقوة أو يضعه في دور "البطل" الذي يحمل قضية كبرى. ولا يمكن تجاهل دور الخوارزميات في هذه العملية. فمعظم منصات التواصل الاجتماعي تعتمد على عرض محتوى مشابه لما يتفاعل معه المستخدم، وهو ما يؤدي إلى خلق ما يُعرف بالفقاعة الفكرية. داخل هذه الفقاعة، يتعرض الفرد لنفس النوع من الأفكار بشكل متكرر، مما يعزز قناعاته ويقلل من فرص تعرضه لوجهات نظر مختلفة. هذا التكرار المستمر لا يؤدي فقط إلى ترسيخ الفكرة، بل يجعلها تبدو وكأنها الحقيقة الوحيدة. ومع مرور الوقت، قد ينتقل الفرد من مجرد التعاطف مع الفكرة إلى التماهي معها، ثم إلى تبريرها، وقد يصل في بعض الحالات إلى الاستعداد للدفاع عنها أو المشاركة فيها. الخطورة هنا تكمن في أن هذا المسار يحدث بشكل تدريجي وغير ملحوظ. فقد لا تدرك الأسرة أو المحيط الاجتماعي ما يحدث إلا بعد وصول الشخص إلى مرحلة متقدمة من التغير الفكري والسلوكي. اقرأ أيضا: جرائم الإخوان في رمضان.. تجنيد المراهقين والشباب عبر التطبيقات الحديثة هناك بعض المؤشرات التي قد تساعد في اكتشاف هذه التحولات مبكرًا، مثل الانسحاب الاجتماعي المفاجئ، أو التغير الحاد في طريقة التفكير، أو قضاء وقت طويل في مجموعات مغلقة على الإنترنت، بالإضافة إلى تبني خطاب يحمل طابعًا عدائيًا أو إقصائيًا. ومع ذلك، فإن هذه المؤشرات لا تعني بالضرورة وجود تطرف، لكنها تمثل إشارات تستدعي الانتباه والتعامل بحذر ووعي. مواجهة هذه الظاهرة لا يمكن أن تقتصر على الحلول الأمنية فقط، رغم أهميتها. فالتعامل الفعال يتطلب فهمًا أعمق للأبعاد النفسية والاجتماعية والرقمية. على المستوى النفسي، من الضروري دعم الشباب في مراحل تكوين الهوية، وتوفير مساحات آمنة للتعبير عن مشاعرهم وأفكارهم. كما يجب التعامل مع مشاعر الإحباط والعزلة بشكل مبكر، قبل أن تتحول إلى مدخل للتأثر بالأفكار المتطرفة. أما على المستوى الاجتماعي، فيجب تعزيز دور الأسرة والمدرسة في بناء علاقات قائمة على الحوار والثقة، بدلًا من الرقابة الصارمة التي قد تدفع الشباب إلى الانغلاق. كما أن توفير أنشطة مجتمعية إيجابية يمكن أن يساعد في خلق شعور بالانتماء يقلل من الحاجة للبحث عنه في أماكن أخرى. وفيما يتعلق بالجانب الرقمي، يصبح من الضروري تعزيز الوعي بكيفية عمل المنصات والخوارزميات، وتعليم الشباب مهارات التفكير النقدي، حتى يتمكنوا من التمييز بين المحتوى الحقيقي والمحتوى التلاعبي. في النهاية، يمكن القول إن تجنيد الشباب لم يعد عملية تقليدية، بل أصبح عملية معقدة تمزج بين التكنولوجيا وعلم النفس، وتستهدف جيلًا يعيش في عالم رقمي مفتوح. ومع تطور هذه الأساليب، يبقى الوعي — سواء على المستوى الفردي أو المجتمعي — هو خط الدفاع الأول في مواجهة هذا النوع من الاستقطاب.