ثلاث سنوات هي كل عمره في الدنيا لم يذق خلالها طعم السعادة أو يعي معني الفرح - ثلاث سنوات تجرع فيها كل أنواع الألم وصنوف عذابه وعرف فيها مر الشقاء. رغم صغر سنه كان وليد عنوانا لقسوة الحياة وأوجاعها ، لم تشفع له طفولته و ملامح وجهه البريئة من مصير مشئوم أو تنقذه من براثن أب جهول أرعن غير مسئول تخلي عن أبوته بل وإنسانيته وتفرغ لتلقينه بمنتهي الغباء والحماقة مبادئ العقاب وكأنه منحه كل الحب والعطايا ورغد العيش وأغدق عليه بالنعيم والحنان فأنكر عليه أن يخطئ ككل الأطفال وكأنما كان يتربص به ليكيل له كل صنوف العذاب من ضرب وركل وحرق ليفرغ فيه سخطه وينفث عن همومه وضيق صدره وكأنه السبب فيما يعاني في دنياه من متاعب -حياة ملعونة عاشها المسكين الصغير قبل أن تعود روحه لبارئها تشكو له ظلم وقسوة البشر وجحودهم بالنعم. شاء القدر أن يولد الطفل لأب عصبي المزاج ضيق الصدر يثور لأتفه الاسباب حتي يبدو وأن الرحمة ضلت طريقها إليه ، وأم أضناها الفقر غارقة في دوامة العوز والحاجة جمعتهما الحياة الجافة واتفقا علي الزواج ومع قسوة الظروف وشظف العيش جاء وليد ليجني ثمرة زواج فاشل ، وكان الانفصال بعد أشهر من مولده ظل بعدها مع أمه يرتشف ويتجرع مرارة العذاب مع كل قطرة لبن يلتقمها، ومع ذلك كان مجرد وجوده في حياتها هو البلسم الشافي والدواء الذي يخفف عنها أوجاع الحياة وقسوتها واليد الحانية التي تكفكف دموعها وتطيب جروحها كان كالحصن التي تأوي اليه عند كل مشكلة، فنظرة واحدة إليه كانت كفيلة بنسيان الدنيا وما فيها بعد أن تركهما الأب والعائل وانشغل بزيجة أخري قبل أن يعود مرة ثانية بدعوي لم الشمل ورعاية الطفل - وليته ما عاد ،، كان دائما سريع الغضب لا يمكنه السيطرة علي انفعالاته غليظا فظا حتي مع الصغير البريء لا يتورع عن عقابه عند أبسط الأخطاء وكأنه بلا قلب ناسيا أنه مازال طفلا بعد حتي إنه كان يحرقه بالنار دون أن يتمهل أو يقدر صغر سنه أو تأخذه به شفقة وفي يوم الحادث غادرت أمه المنزل كعادتها بحثا عن الرزق وبيع المناديل تاركة إياه مع والده لأنه ما من بديل وبدلا من هدهدته واللعب معه وإطعامه قامت الدنيا حينما رأي الفراش مبللا انهال علي الصغير بكل ما أوتي من قوة وغضب ولم يعبأ بصراخه وبكائه ظل يضربه ويضربه وصوت الصغير يعلو ويعلو ألما واستغاثة واستجداء وفجأة توقف كل شيء لم يعد يصرخ أو يتألم أو يستغيث لم يتحمل القلب الصغير فكفاه ما تحمل ولم يعد يطيق - انتبه الأب الذي ماتت فيه الأبوة علي حالة السكون التي أصابت الطفل وانكمش يراجع نفسه ما الذي جنت يداه ماذا فعل بصغيره وحينما عادت الام كانت تشعر باللهفة والجزع علي ابنها سألت عنه بدا الأب مرتبكا ربما بعض من ندم حاول تبرير فعلته شكا من ان وليد عاد للتبول ولم يكن هناك بديل للعقاب قالها وهو يحاول ان يشيح بوجهه عنها، هنا انفطر قلبها تخيلت ماعاناه وحيدا مع أبيه القاسي فهي تعرفه وتعرف عنفه سارعت لطفلها لاحتضانه وتهدئته لكنه لم يرد طار عقلها بعدما استشعرت برودة جسده هزته بقوة «اصح ياوليد اصح ياحبيبي أنا ماما رجعت آهة ياللا نخرج ونشتري اللي انت عاوزه» لكنه لم يرد لم يفتح عينيه لتراه وتري عينيه زادها للصبر والتحمل ، حملته سريعا وهي تهذي كالمجنونة في طريقها للمستشفي بمعاونة أولاد الحلال من الجيران محاولات مضنية لإنعاشه لكن ههيات استرد الله وديعته ربما كان الموت هو الرحمة بعينها والخلاص نهاية العذاب تلقي اللواء حسن سيف مدير أمن الشرقية إخطارا من اللواء هشام خطاب مدير المباحث الجنائية، بوصول طفل ثلاث سنوات للمستشفي المركزي ببلبيس جثة هامدة وبه آثار لجروح وحروق وكدمات وأمام أحمد يحيي وكيل نيابة بلبيس التي تولت التحقيق بإشراف المستشار أمير نوار اتهمت الأم الشابة زوجها ووالد طفلها الذي لاذ بالفرار عقب الحادث بقتل ابنه.