متي نكون صادقين مع أنفسنا ونحن نواجه الأحداث الدامية التي تقع في مصر من حين لآخر؟ ومتي نتحلي بالشجاعة في مواجهة حقائق هذه الأحداث بما تتطلبه منا الأمانة والإحساس بالمسئولية الوطنية. إن المسئول الأول عن أحداث العباسية الدامية هو ذلك المرشح المستبعد من انتخابات الرئاسة, الذي وافق أنصاره ومريديه علي النزول إلي الشارع والاعتصام, سواء بالتحريض أو الصمت الإيجابي, ويجب أن نعترف جميعا بكل مصداقية وأمانة وشجاعة أن الذين اعتصموا أمام وزارة الدفاع قد أخطأوا في قرارهم, وتجاوزوا خط الاعتدال الثوري, وأنهم مع شيخهم وبعض شيوخ السلفيين المهيجين والمحرضين علي الصدام هم المسئولون عما آلت إليه الأحداث من إهدار الدماء الزكية, فهل استراح ضمير الشيخ بعد سقوط شهداء جدد؟ لقد أخطأت معظم القوي السياسية والوطنية عندما وقفت موقفا سلبيا من اعتصام أنصار المرشح المستبعد, وشعرت بالحرج من مواجهتهم بقرارهم الخاطئ الذي نتجت عنه هذه الكارثة, وهو ما حدث نفسه في مأساة شارع مجلس الوزراء عندما اعتصم عشرات الشباب أمام المجلس اعتراضا علي حكومة الدكتور الجنزوري, ومنعوه من دخول المجلس حتي تطورت الأحداث, ونتج عنها سقوط شهداء أبرار, واحتراق المجمع العلمي الخالد. إن النكوص عن شهادة الحق والنصح لأنصارنا وأبناء الثورة عندما يحيدون عن جادة الصواب, ويجانبهم التوفيق إثم كبير يدفع الوطن ثمنا غاليا له, ولكن.. مهما كانت خطيئة ذلك المستبعد وأقرانه, فإن هذا لا يبرر مطلقا الجريمة التي وقعت بحق المعتصمين السلميين, التي تكررت بالسيناريو الهمجي نفسه في الأحداث السابقة علي مدي السنة الماضية, والتي بات الشعب المصري يعرف حقيقة الأيادي الخفية التي تحرك البلطجية والمسجلين الخطرين للاعتداء المسلح علي شبابنا, فالطرف الثالث لم يعد لهوا خفيا, ونحن نعرف لمصلحة من إثارة الفوضي, وإشعال حرائق الفتنة في نفوس سوداء تقطر حقدا علي هذا الشعب الذي ثار علي الظلم والفساد عندما نتذكر مقولة المخلوع: نظام حكمي أو الفوضي! إن الواجب الديني والضمير الوطني يحتمان علي القيادات الوطنية والثورية مطالبة أنصارهم بعدم التظاهر أو الاعتصام أمام المؤسسات الرسمية والعسكرية للدولة, وأن يكون ميدان التحرير هو ملاذهم للتعبير عن مطالبهم التي يؤيد معظمها الغالبية الساحقة من المصريين, لكن هذه الغالبية في الوقت نفسه لا تؤيد مطلب المعتصمين برحيل المجلس العسكري فورا, حيث إنه وعد وأكد مرارا أنه سوف يسلم السلطة لرئيس مدني منتخب في نهاية شهر يونيو.2012 وبالتالي فلا معني لتكرار هتاف سقوط حكم العسكر, خاصة وقد استقر في وجداننا جميعا رفضنا حكم المؤسسة العسكرية, أو حتي من كان ينتمي إليها سابقا, مع إقرارنا بمكانة الجيش العظيمة في قلوبنا, فنحن نريد رئيسا ينتمي إلي المجتمع المدني. ولنعلم أن احتجاجات ومظاهرات الشعوب إذا تعدت خط المنطق والعقلانية والموضوعية, تصبح عبئا عليها لا زادا لها, وتنال من مصداقيتها, وحسن إدراكها حقوقها, وواقع أوطانها, فترتد عليها بالخسران المبين, ونحن اليوم في أمس الحاجة إلي سرعة وضع الدستور, وتهيئة مناخ هادئ ومستقر وآمن لإجراء انتخابات الرئاسة دون الدخول في متاهات وقضايا فرعية تبتعد بنا عن الهدف الجليل, والحلم الأسمي المتمثل في تسليم السلطة إلي رئيس مدني منتخب بإرادة شعبية حرة لأول مرة في تاريخ مصر. محمد سعيد عز