الحياء.. فضيلة إنسانية زكاها الإسلام ونماها، وحرص على غرسها فى نفوس أتباعه، ذلك لأن الحياء هو الميزان الذى يوزن به بقية أخلاق المسلم كلها، فبغيره لا يكون لأى خلق معنى ولا قيمة، ولذلك يقول المعصوم صلى الله عليه وسلم إن لكل دين خلقاً ، وخلق الإسلام الحياء. وقد عنى الإسلام بترسيخ هذا الخلق لدى اتباعه عناية فائقة؛ لأنه حجر الزاوية فى انواع العلاقات المتعددة داخل الحالة الإسلامية، فهو رأس العلاقة بين العبد وبين ربه او ينبغى أن يكون كذلك، وهو أيضا عنوان للعلاقة بين أفراد المجتمع أو ينبغى أن يكون، حتى فى علاقة الإنسان بنفسه ينبغى أن يكون الحياء طبيعة وديدنا لهذه العلاقة. فتارة ترى الإسلام يؤكد على أن الحياء خلق جميل يحبه الله جل وعلا: “إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حَيِيٌّ سِتِّيرٌ يُحِبُّ الْحَيَاءَ وَالسَّتْرَ”، وتارة يؤكد أنه خلق من أخلاق النبى صلى الله عليه وسلم ليترسخ فى أذهان المسلمين التشبه برسول الله حيث كان أشد حياء من العذراء فى خدرها. وتارة يوضح لأتباعه أن الحياء من الله هو الطريق التى يصل الإنسان من خلالها رضا مولاه سبحانه وتعالى عن طريق فعله للطاعات ومسارعته فى الخيرات واجتنابه الذنوب والسيئات، فيقول المعصوم صلى الله عليه وسلم (استحيوا من الله حق الحياء، من استحى من الله حق الحياء فليحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، وليذكر الموت والبِلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء. ولأن النبى صلى الله عليه وسلم يدرك حب البعض لما يمكن ان نسميه التفاخر الاجتماعى وحب مدح الناس والثناء عليه، فقد جعل الحياء بابا لهذا الأمر فقال صلى الله عليه وسلم عن أنس رضى الله عنه ما كان الفحش فى شيء إلا شانه، وما كان الحياء فى شيء قط إلا زانه، بل ونهى عن اعتبار الحياء خلقا مذموما يشين صاحبه فى الحديث المعروف حينما رأى النبى رجلا يعاتب أخاه فى الحياء قال: دعه، فإن الحياء من الإيمان. إن أعظم أنواع الحياء هو الحياء من الله جل وعلا، فيستحى الإنسان أن يراه الله على معصية، وهذا النوع يمكن تحصيله عن طريق مراقبة الله تعالى فى السر والعلن، وتقوية الإيمان فى القلب بزيادة الطاعات واجتناب المنكرات. هذه المراقبة التى يشعر معها العبد دوما أنه فى محل سمع الله وبصره، فيتولد لديه شعور دائم بالحياء أن تنكشف عورته امام ربه، فيراه على معصية فتزل قدمه بعد ثبوتها بإيمانه بربه جل وعلا.