بدأت قضية التوكيلات الملاحية الحكومية - التى أدخلت عشرات المليارات من الدولارات الى خزينة الدولة - فى أوائل التسعينيات عندما ظهرت عيون حاقدة ومسئولون فاسدون حملهم الوطن الأمانة فخانوها واستكثرواعلى الدولة أن تستفيد من مواردها الطبيعية لتسخيرها لمصلحة الشعب . فذهبوا يتحايلون بالقوانين والقرارات الوزارية لينهبوا المال العام ويستغلوه فى استثمارات خارج الوطن، وسمحوا لرؤساء الموانئ البحرية بإصدار قرارات لاعتماد 159 فرداً من المقربين، للعمل مندوبين ملاحيين ووسطاء ليحصلوا فى جيوبهم رسوم الدولة الخدمية المتنوعة من السفن الأجنبية التى تعبر المياه الإقليمية وترسو بالموانئ المصرية ، ومن هنا بدأت الدولة تفقد موردا سياديا من العملة الأجنبية . وقد رصد الجهاز المركزى للمحاسبات خلال الفترة من 1989- 1994 حصيلة النقد الأجنبى المحصلة بمعرفة التوكيلات الملاحية الحكومية 9 مليارات و715 مليون دولار وحصيلة الرسوم السيادية 9 مليارات و557مليون جنيه مما جعلها مطمعا للفاسدين من كبار المسئولين بالدولة الذين بدأوا فى 25 ديسمبر 1995 اتخاذ خطوات ممنهجة لتدمير شركتى القناة والإسكندرية الحكوميتين للتوكيلات الملاحية وبدأوا أولاً بتقسيم شركة الإسكندرية إلى ثلاث شركات وتعيين مفوضين عليها. ولتنفيذ مخططهم قاموا بسحب الاحتياطات والاستثمارات المالية منها البالغة 432 مليون جنيه وتخفيض رءوس أموالها من 211 مليون جنيه إلى 5 ملايين لكل شركة وتحويل المبنى الذى تملكه شركة الإسكندرية الحكومية إلى الشركة القابضة ثم إعادة تأجير جزء منه للشركات الثلاث التى كانت تملكه وتحويلها من مظلة القانون رقم 203 قطاع أعمال إلى قانون الاستثمار رقم 159. ولم يكتفوا بذلك، لا سيما عندما وجدوا اعتراضات من الأجهزة الرقابية والمسئولين الشرفاء ، فعقدوا العزم بالتنسيق مع الوزراء المعنيين وبعض أعضاء مجلسى الشعب والشورى بالحزب الوطنى على صياغة وتمرير قانون يحمل إدانتهم حتى يكون استيلاؤهم على أموال الوطن والشعب المصرى تحت غطاء قانونى وبالفعل أصدروا القانون رقم 1 لسنة 98 والقرارين الوزاريين رقمى 30 و31 لفتح الباب على مصراعيه لإنشاء شركات توكيلات ملاحية خاصة وأجنبية يصدر ترخيصها من النقل البحرى مقابل سداد 250 ألف جنيه وبذلك تكون مصر أول دولة تصدر 300 ترخيص للأفراد الطبيعيين والأجانب بإنشاء توكيلات ملاحية خاصة لم تدرج فى اتفاقية الجات لمعارضة أمريكا والدول النامية ، وللأسف بينها مصر حيث لا تتمتع هذه الدول بميزة تنافسية فى هذا المجال مما يوضح سعى الفاسدين إلى الربح الضخم والسريع من الوكالات الملاحية الخاصة دون تحمل أى تكلفة فى حين أحجمت عن الاستثمار فى الأنشطة التى تتطلب رءوس أموال وعمالة. وفور العمل بالقانون المشبوه استغنت الدولة عن مواردها من التوكيلات الملاحية الحكومية وأهدتها للطامعين وبعد أن كانت شركة الإسكندرية الحكومية على سبيل المثال تخدم 40 خطاً ملاحياً و5120 باخرة قبل العمل بالقانون 1 لسنة 98 مباشرة أصبحت صفراً وقدرت خسائرها السنوية بنحو 17 مليار جنيه افترستها التوكيلات الخاصة دون عائد على خزينة الدولة. «سوق سوداء» وكانت »الأهرام« قد نشرت تحقيقاً صحفياً فى 11 سبتمبر الماضى عن فساد التوكيلات الملاحية الخاصة واستيلاء أصحابها على أكثر من 225 مليار جنيه منذ صدور القانون 1 لسنة 98 وتهديدها الأمن القومى وإيجاد سوق سوداء للدولار ورفع السلع المستوردة بالسوق المحلية وغيرها من الأضرار الجسيمة على الاقتصاد الوطنى والشعب المصرى بالتفصيل المدعم بالمستندات الرسمية من عدة أجهزة رقابية ومعلوماتية ، وبعدها تعرضنا لهجمات وافتراءات واهية ومرسلة دون أدلة أو مستندات من صاحب شركة بورسعيد للملاحة والأعمال البحرية عضو لجنة السياسات بالحزب الوطنى المنحل وعضو مجلس الشورى الأسبق الذى أسس ثلاثة أفرع للشركة بالإسكندرية والقاهرة والسويس بالإضافة للمقر الرئيسى ببورسعيد مدعياً أن التوكيلات الملاحية كانت ملكاً لأجداده وأن «بضاعتهم ردت إليهم»، رغم أن هذه التوكيلات كانت مملوكة للأجانب المحتلين مثل قناة السويس ويعمل بها المصريون كسعاة و»بمبوطية« وقامت ثورة يوليو 52 لإعادة ملكية المنشآت الموجودة على الأراضى المصرية للمصريين وأعلن الزعيم جمال عبد الناصر تأميم قناة السويس والشركات الملاحية المملوكة للأجانب، وبعد التأميم قامت الحكومة المصرية بسداد تعويضات لملاك هذه الشركات طبقاً للاتفاقيات الدولية كما هو ثابت بوزارة التعاون الدولى وأصبحت توكيلات الأجداد المحتلين ملكاً للدولة المصرية والذى بقى منهم ولم يغادر مصر قامت هيئة النقل البحرى بشراء ملكية أسهمه. وعلى الجانب الآخر عندما فتحت »الأهرام« قضية فساد التوكيلات الملاحية الخاصة صدرت تعليمات عليا للأجهزة الرقابية بمحافظات الإسكندريةوالسويس وبورسعيد ودمياط بالتحقق من ذلك والتى بدورها رصدت نحو 28 فرداً من المقربين للسلطة فى ذلك الوقت بالإضافة إلى 16 فرداً كانوا أعضاء مجلسى شعب وشورى تابعين للحزب الوطنى وأمناء له فى بعض المحافظات وأعضاء بلجنة السياسات ، استولوا على مليارات من موارد الدولة الممثلة فى الرسوم الخدمية عن طريق توكيلاتهم الملاحية بالتنسيق والتعاون مع ملاك السفن الأجنبية بالإضافة إلى تهربهم من الضرائب ورسوم بعض الهيئات السيادية بتزوير بوالص الشحن والفواتير وتهديد الأمن القومى بالعمل مع الخطوط التركية والإسرائيلية وغيرهما من الدول التى لا تريد الاستقرار للوطن .