إنهاء معاناة الانقطاع والمناوبة.. والوصول إلى استقرار وانتظام المياه فى مواجهة تحديات ندرة المياه، وتزايد الضغوط الناتجة عن النمو السكانى والتوسع العمرانى والسياحى، تتجه الدولة إلى تحلية مياه البحر كخيار استراتيجى لا غنى عنه لتأمين احتياجات الحاضر وضمان استدامة المستقبل، خاصة فى المحافظات الساحلية والمناطق البعيدة عن مصادر المياه التقليدية. اقرأ أيضًا| إنشاء أكبر محطة تحلية مياه في الشرق الأوسط بالعريش ومن سواحل البحر المتوسط غربًا، مرورًا بالبحر الأحمر، ووصولاً إلى سيناء شمالًا وجنوبًا، تتوزع مشروعات عملاقة لتحلية مياه البحر، لم تعد مجرد حلول فنية، بل شرايين حياة أعادت رسم خريطة الاستقرار والتنمية، وأنهت سنوات من المعاناة مع العطش والانقطاع، وفتحت الباب أمام مجتمعات عمرانية وسياحية جديدة. اقرأ أيضًا| اقتصادي: «حكاية وطن» تميز بالصراحة والمكاشفة وعرض الإنجازات على أرض الواقع هذا الملف يرصد على أرض الواقع كيف تحولت محطات التحلية إلى ركيزة أساسية للأمن المائى، عبر استعراض أبرز المشروعات المنفذة، وحجم طاقتها الإنتاجية، وأثرها المباشر على حياة المواطنين، فى مدن بلا نهر، وعلى سواحل فرضت الجغرافيا فيها أن يكون البحر هو المصدر و«الحل». قبل نحو عشر سنوات، اختارت الدولة المصرية جبل الجلالة ليكون حاضناً لأكبر مدينة سياحية ذكية فى مصر، تستوعب أنشطة سكنية وسياحية وتعليمية وخدمية، ضمن رؤية شاملة لإعادة تشكيل الخريطة العمرانية والاقتصادية، ومواجهة الزيادة السكانية عبر إنشاء مدن جديدة قادرة على استيعاب التوسعات المستقبلية. وجاء تنفيذ محطة الجلالة لتحلية مياه البحر كأحد أهم المشروعات الخدمية بالمدينة، لتأمين احتياجاتها من مياه الشرب دون الاعتماد على مياه نهر النيل، وبما يدعم خطط التنمية المستدامة فى المنطقة. بدأت أعمال تنفيذ مدينة الجلالة فوق هضبة جبلية ترتفع نحو 700 متر فوق سطح البحر، وفى نوفمبر 2016 انطلقت أعمال إنشاء محطة الجلالة لتحلية مياه البحر على مساحة 60 ألف متر مربع.. واستهدف المخطط الاستراتيجى للمحطة خدمة نحو مليون مواطن فى مدينة الجلالة والمناطق المحيطة بها، بطاقة إنتاجية تصل إلى 150 ألف متر مكعب يوميًا، لتصبح الأكبر فى مصر من حيث الإنتاج اليومى للمياه العذبة، اعتمادًا على مياه البحر فقط، متجاوزة بذلك محنة إمداد المدينة بمياه النيل، فى ضوء ارتفاع التكاليف. وتتميز محطة الجلالة بخصوصية موقعها، إذ تقع فى منطقة جبلية تواجه مخرات سيول، وتغذى مدينة متعددة الأنشطة على ارتفاع مئات الأمتار فوق سطح البحر، وهو ما يفرض تحديات جغرافية وهندسية معقدة. وتخدم المحطة حاليًا المشروعات السياحية فى منتجع الجلالة، إلى جانب جامعة الجلالة الأهلية، التى تضم أكثر من 7 آلاف طالب. وتعمل محطة الجلالة بأحدث تكنولوجيا تحلية المياه فى العالم، باستخدام نظام التناضح العكسي، إلى جانب تقنيات موفرة للطاقة، وخزانات تكديس زجاجية صلبة (GLS)، بما يحقق كفاءة تشغيلية أعلى مقارنة ب الخزانات الخرسانية والحديدية. وتستهدف المحطة سد الفجوة بين الاستهلاك الفعلى وحصة مصر من مياه نهر النيل، من خلال توفير مياه شرب مستقلة مدينة ومنتجع الجلالة.. ويتم نقل المياه المنتجة من محطة تحلية الجلالة إلى المدينة والمنتجع السياحى عبر مشروع خطوط وروافع المياه، الذى جرى تنفيذه بتكلفة 880 مليون جنيه. ويضم المشروع 4 روافع لنقل المياه إلى أعلى هضبة الجلالة، وموقع الخزانات الاستراتيجية، التى تشمل 6 خزانات بسعة 20 ألف متر مكعب لكل خزان، بإجمالى سعة تخزينية تبلغ 120 ألف متر مكعب. وتعمل محطة الجلالة على مدار 24 ساعة يوميًا، حيث تجرى تحاليل دورية للمياه داخل المعمل الرئيسى بالمحطة، والذى يضم قسمين وهم التحاليل الكيميائية، والتحاليل البيولوجية. ويتم يوميًا سحب عينات من مياه البحر قبل التحلية، وعينات أخرى من المياه العذبة المنتجة، للتأكد من مطابقتها للمواصفات القياسية المعتمدة من وزارة الصحة المصرية ومعايير منظمة الصحة العالمية. وتشمل الاختبارات قياس نسبة الأكسجين الذائب، ودرجة الحموضة والقلوية(pH)، والتوصيل الكهربي، الذى يحدد نسبة الأملاح الذائبة فى المياه.. وفى القسم البيولوجي، تقاس نسب الكلور الحر، والعكارة، والأكسجين الممتص، وتجرى هذه الاختبارات للمياه المنتجة كل ساعتين، لضمان استقرار جودة المياه وصلاحيتها للاستهلاك الآدمي. ويهدف نظام القياس الدورى إلى رصد أى تغير فى نسب الأملاح والعناصر المختلفة، والتحكم فيها فورا، بما يضمن وصول مياه مطابقة للمواصفات القياسية، وبجودة لا تقل عن المياه المعدنية، لمستخدمى مدينة ومنتجع الجلالة.