البناء الضخم الفخم, لبنة من الواقع ولبنتان من الخيال, يتضح عند ذروته المعمارية أن الخرافة لم تكن كما تبدو: خرافة, إنما كانت حيلة من بَنّاء ذكى, لاعب لا يكشف أوراقه, استطاع فى الحلقة الأخيرة من مسلسل «السبع وصايا» أن يكمل متعة الحيرة بكشف وجوه الحيرة,فإذا بالعجائبى لعبة خسيسة بنت أرض, وإذا بالعمل واقعى...أو يكاد. أقول «يكاد» لأن مبدعه محمد أمين راضى وهو ينهى عمله الفريد احتفظ باللغز الأساسى(اختفاء جثة الأب) كما هو, وهو بذلك يحتفظ بالطابع الرمزى الممزوج بالخرافة الدينية الذى طبع به «وصاياه»,وبالذات تيمة الولى المنتظر, الغائب الذى كان اختفاؤه كرامته الكبرى,والإيمان المطلق بعودته. هذه النغمة تمثلها خير تمثيل بوسى الابنة الكبرى, ويحيط بها من كل جانب كورس من الهمس والضراعة والخدود المبتلة الملتصقة بشبابيك أضرحة مصر,حيث انطلق إخوتها كالفئران الهاربة فرارا من عقاب القضاء على قتلهم الأب بإيعاز من أختهم الكبرى. ويؤطر همسهم المتضرع بناء موسيقى شجى هو صياغة - أو إعادة صياغة - مبدعة للذكر والإنشاد الصوفى. وهو ليس مجرد إطار خارجى أو زخرفة تجميلية للدراما, بل جزء لا يتجزأ من العمل, تربطه به وجاهة درامية ولُحمة رمزية, حتى بعد انتهاء حلقته الثلاثين والأخيرة,حلقة خلع الأقنعة عن عمل تدثر بالخرافة الشعبية والتراث الفلكلورى الدينى على امتداد حلقاته: المنامات والجن والعفاريت وشفاعات ساكنى الأضرحة.. فبل الاستطراد أكثر من ذلك, سلأجب على تساؤل قد يدور بذهنك: لماذا تنشر صفحة أدب مقالة عن مسلسل تليفزيونى؟ الإجابة أن هذا المسلسل قطعة أدبية رفيعة كتبها أديب بحق اختار شكل المسلسل التليفزيونى وسيطا له,فجاء بعمل أدبى درامى فيه من الشعر رمزيته وتكثيفه, ومن الإبداع الأصيل المجدد جرأته وثوريته,فكان نصه ثورة فى مجال الكتابة للتليفزيون. لنستطرد إذن: إن أهم ما يميز أى عمل رمزى أنه واقعى فى باطنه. هو غير واقعى كمدرسة فى الكتابة, لكن ما يرمز إليه هو الواقع, أو بالأدق, خلاصة وجوهر الواقع. ودون الإغراق فى التفاصيل, تعلق «السبع وصايا» على أزمة واقع قبيح اضطر ضحاياه أن يثوروا على صانعه, فى إشارة ذكية غير مباشرة وغير مطابقة إلى ثورتنا على مبارك,ولكن الرمز المرهف هنا يمتد من عالم السياسة إلى عالم المعانى الكلية وسموات الفلسفة, وهذا هو جمال الرمز,إذا استخدم برهافة وذكاء,وبيد لاعب لا يكشف أوراقه إلا فى الوقت المناسب وبالقدر المناسب. الأزمة الدرامية تبدأ بعد ثورة الأبناء على الأب طمعا فى ثروته التى حرمهم منها طويلا. فأبناء سيد نفيسة يفشلون فى الحصول على ثمار تخلصهم من الأب الظالم, ويتطوحون فى متاهة طولها 29 حلقة وعرضها أقاليم مصر ببحريها وصعيدها ودلتاها, خاصة حيث يسكن أولياؤها الكبار, حيث لم تنفع ضراعة ولا شفاعة, وظلوا فى متاهتهم يعمهون حتى سقطوا صرعى الجهل والطمع, تاركين أطفالهم الرضع يصرخون. ولا يتبقى منهم إلا أختهم الكبرى ( بوسى ) التى فقدت عقلها بعد أن قتلت إخوتها الستة تنفيذا لوصايا وهمية دستها عليها « صديقتها « أوسة, أوالممثلة سماح كامل التى استولت على شيكات بالملايين تركها الأب لأبنائه السبعة فى أظرف عليها أسماؤهم,وضعت فيها سماح بدلا من الشيكات وصايا من تأليفها لعبت فيها على ما عرفته عن بوسى وأخواتها من جهل وإيمان بالخرافات, واهتمت فى وصية بوسى بالذات على الإيحاء بدهاء بوجوب قتل الأخوة, بكلام غامض مثل أحاجى عرافة أبوللو فى المآسى الإغريقية, لكنها تأكدت من وصول الرسالة إلى عقل بوسى المستعد منذ الآن للجنون. لقد كان على الورثة أن يُجَنوا أو يموتوا لكى تستولى سماح على الملايين وتصرف الشيكات بعد تزهيرها فى أمان دون أن يسأل عليها أحد. بعد موت الإخوة الستة وجنون سابعتهم, تستولى سماح على أطفالهم الرضع كما استولت على الثروة. وفى كابوس أخير, ضمن زمرة كوابيس تطاردها بحيث لم تعد تذوق النوم, تقول بوسى المجنونة لسماح العاقلة: «العيال اللى انتى بتربيهم فى حضنك..إوعى تفتكرى ان انتى كده بتسلمى من أذاهم, بالعكس, حقهم ح يبقى كده أقرب ليهم. الحق راجع راجع يا أوسة. الحق راجع راجع. « وتنزل تترات النهاية على قهقهات الأب وصراخ الرضع: الماضى المنتصر والمستقبل المفزع.. إلا أن كابوس سماح يطمئننا عليه! لمزيد من مقالات بهاء جاهين