خيارات إسرائيل رغم القوة الظاهرة والعدوان تبدو محدودة، خاصة فى عدوانها الأخير والمستمر على الشعب الفلسطينى فى غزة، ومحدودية الاختيارات الإسرائيلية ترتبط بحدود القوة ذاتها كأداة لحسم الصراعات، وأى قوة ليس فحسب القوة الإسرائيلية لها سقف لا يمكن تجاوزه، وتخطى هذا السقف يبدو عديم الجدوى ويخلو من المنطق ولا يحقق أى أهداف سياسية. تنحصر الخيارات الإسرائيلية فى غزة بين توجيه ضربة عسكرية لحماس تتمثل فى ضرب مواقع إطلاق الصواريخ والبنية التحتية للمقاومة، سواء تمثلت فى الأنفاق أو مخازن الصواريخ أو ما يتصل بالتجهيزات العسكرية للمقاومة الفلسطينية فى غزة، وما يرتبط بذلك كنتيجة له أى وقف إطلاق الصواريخ على المدن الإسرائيلية، وردع حماس وغيرها من حركات المقاومة عن إطلاق هذه الصواريخ، وبين إرساء هدنة أو تهدئة بالشروط الإسرائيلية أى استمرار الحصار وغلق المعابر والسيطرة على أجواء غزة ومجالها البحرى والجوي، أى باختصار تكريس الوضع الراهن المأساوى الذى يعانيه الشعب الفلسطيني. وهذا الهدف الذى يبدو متواضعاً للغاية مقارنة بتصورات بعض حلفاء نتنياهو «ليبرمان مثلا، والذى يرى ضرورة احتلال قطاع غزة والقضاء على حماس نهائياً، ليس من السهل تحقيقه وإلا لما اضطرت إسرائيل لمعاودة العدوان على غزة ثلاث مرات فى غضون خمس سنوات، فلم تنجح إسرائيل لا فى عدوانها الأول 2009 ولا فى عدوانها الثانى عام 2012، وأشك أنها ستنجح فى العدوان الحالي، لأن ارتباط هذا الهدف بهدف الإبقاء على قطاع غزة كسجن كبير يعيش فيه ما يقرب من مليون وثمانمائة ألف فلسطينى من بينهم 70% من اللاجئين الذين تركوا أرضهم وطردوا منها، والتى أصبحت جزءا من إسرائيل منذ قيامها، يخالف المنطق والقوانين الطبيعية والاجتماعية على حد سواء، ذلك أن إسرائيل لا تزال قائمة فعلياً باحتلال غزة وتتحمل على الأقل مسؤولية الدولة القائمة، بالاحتلال تجاه رعايا ومواطنى غزة وفق القانون الدول الإنسانى واتفاقيات جنيف الأربعة، وبخاصة مبادئها المتعلقة بحماية المدنيين وحظر تجويعهم وحرمانهم من مواردهم الطبيعية، وإخلال إسرائيل بهذه القوانين والاتفاقيات يرتب ردود أفعال ومقاومة مشروعة بدورها فى القانون الدولى أيا كان نوعها مقاومة مدنية أو عسكرية وطالما بقى الاحتلال ستبقى المقاومة تخفت حينا وتظهر حينا آخر ولكنها فى جميع الأحوال باقية. ورغم الخلل فى موازين القوى بين إسرائيل والمقاومة فإن هذا الخلل فى بعض جوانبه قد يحفز الابتكار والتحايل والخيال لمواجهة آثار هذا الخلل، فلم تستطع إسرائيل إنهاء إطلاق الصواريخ على المدن والبلدات الإسرائيلية رغم العدوان المتكرر لأن المقاومة راكمت الخبرات الدفاعية والهجومية التى تمكنها من توجيه الضربات النوعية والاستمرار فى الفعل المقاوم. وإذا كان هذا هو الخيار الإسرائيلى فى العدوان الحالى أى وقف إطلاق حركات المقاومة للصواريخ على المدن والبلدات الإسرائيلية وإضعاف حماس، فإن معنى ذلك أن إسرائيل تريد الإبقاء على سيطرة حماس على غزة حتى يكون لهذا الإقليم حكومة يمكن التعامل معها إن عسكرياً أو تفاوضيا، ويرتبط ذلك بالإبقاء على الانقسام الفلسطينى الفلسطينى والذى تستفيد منه إسرائيل أكثر من أى طرف آخر، فهى تستطيع عبر استمرار الانقسام الادعاء بأنه ليس هناك ممثل فلسطينى واحد يمكن التفاوض معه وليس ثمة جهة فلسطينية مسئولة يمكن التفاوض معها وبحث العملية السلمية بمشاركتها. تحمل الخيارات الإسرائيلية فى غزة العديد من التناقضات التى تجعل من تحقيقها أمراً صعب المنال حتى ما تعلق منها بإضعاف حماس وردعها عن إطلاق الصواريخ على المدن والبلدات الإسرائيلية، فحتى إذا ما نجح العدوان- ونأمل ألا ينجح- فى إضعاف حماس وحركات المقاومة عسكرياً عبر الضربات الجوية والصاروخية والبرية فإنه فى مقابل ذلك تحصد حماس وحركات المقاومة مكاسب سياسية كبيرة فى هذه الآونة بالذات، تستطيع حماس أن ترفع مجدداً لواء المقاومة وأن تعلن التطابق بين خطابها وبين ممارساتها فى الواقع، وأن تحظى بتعاطف قطاعات كبيرة من الفلسطينيين من داخل غزة وخارجها وفى العالم العربي، وسوف يصب ذلك فى إعادة بناء صورتها التى تضررت جراء تدخلها فى الشأن المصرى الذى لم تعرف حدوده بعد ومنظور أمام القضاء، وهى مكاسب سياسية ذات مدلولات وعوائد مهمة لصورة حماس فى غزة وفى العالم العربي. حصر العدوان وأسبابه فى مقتل بعض المستوطنين ليس كافياً لتفسير طبيعة العدوان ومداه، ذلك أن العدوان يستهدف إنهاء عملية التسوية برمتها وإغلاق الحديث فى هذا الموضوع والطريق إلى ذلك يبدأ بتحميل الفلسطينيين مسؤولية البدء فى الأعمال العدائية وتصوير العدوان كرد فعل على ما يقوم به الفلسطينيون الهدف الإسرائيلى من العدوان التهرب من أى استحقاق مطلوب فى عملية السلام، وفرض تسوية من المنظور الإسرائيلى على غرار الانسحاب أحادى الجانب من غزة، ولكى يتحقق هذا الهدف لا ينبغى أن يكون هناك شريك فلسطينى مقبول ومؤهل لتحمل المسؤولية. استخدام القوة يرتبط بتحقيق أهداف سياسية، أى أهداف يمكن للسياسة أن تستكملها وحيث إن الأهداف الإسرائيلية متناقضة وتعتمد على القوة لتحقيقها فإنها تصل إلى طريق مسدود واستخدام القوة المجردة من الأهداف السياسية والاستمرار فيه استخدام يفتقد إلى المشروعية والأخلاقية. إن حصار غزة من قبل إسرائيل عمل مجافى للقانون الدولى العام والقانون الإنسانى الدولى وجميع الممارسات والأعراف السياسية والدبلوماسية، إنه عمل مشين من قبل إسرائيل والغريب أنه يحظى بالقبول من المجتمع الدولى على الأقل عبر الصمت الذى يفرض حول الحصار وكأنه ممارسة طبيعية تتفق مع نواميس الكون، لن تستطيع إسرائيل أن تفلت من تداعيات هذا العمل وآثاره، بل ستجنى حصاد ما زرعته من أحقاد ومرارات فى نفس المواطنين الفلسطينيين. لمزيد من مقالات د. عبد العليم محمد