فى عام 1963 أعلنت مصر من قلب العاصمة الإثيوبية أديس أبابا وحدة وتضامن الدول الأفريقية وتنسيق التعاون بينها لتحقيق حياة أفضل لشعوب القارة والدفاع عن سيادتها واستقلالها والقضاء على "جميع أشكال الاستعمار" فى القارة. وقد دشن هذا التحرك المصرى الإثيوبى منظمة الوحدة الأفريقية التى نجحت فى إزاحة الإستعمار القديم من دول القارة. واليوم جاءت الإيماءات الخطابية الإيجابية المتبادلة بين مصر وإثيوبيا للتخفيف من آثار إختلاف وجهات النظر حول مشروع "سد النهضة" بإثيوبيا، ولتكون فرصة تاريخية لبداية تحرك أفريقى جاد لمواجهة ما يعرف ب"الإستعمار المائى" الغربى. فخلال العقود التى تلت خروج الإستعمار القديم من القارة الأفريقية والعالم العربى عملت قوى الإستعمار على بث الوقيعة بين دول المنطقة وخاصة بين قلب أفريقيا والدول العربية. فعلى سبيل المثال لم تخجل وزارة الخارجية الأمريكية من إعلان خطورة قيام تعاون عربى أفريقى على مصالح واشنطن والغرب منذ سبعينيات القرن الماضى! واليوم ظهر خطر جديد يتمثل فى ظهور ما يعرف بالموجة الإستعمارية الثالثة المتمثلة فى الاستعمار المائى. فقد أشار الباحث جركاى شنجو من جامعة هارفارد إلى أن الماء أصبحت له فى القرن ال 21 نفس المكانة التى كان عليها البترول فى القرن ال 20. وأكد أن التاريخ فى العصر الحديث شهد ثلاثة موجات من الاستعمار المدفوع بالسيطرة على الموارد المختلفة. وتمثلت الموجة الأولى فى الإستعمار من أجل الحصول على الذهب والمعادن النفيسة.ثم ظهرت الموجة الاستعمارية الثانية بتطور الصناعة فى أوروبا والولايات المتحدة. وإنصب هدف القوى الاستعمارية الغربية فى تلك الموجة على منابع البترول بهدف إنتاج الطاقة لتلبية احتياجاتها. وهكذا تحولت الدول العربية فى الشرق الأوسط وأفريقيا، والدول الأفريقية البترولية الأخرى، إلى فريسة لاستعمار من نوع جديد يتخذ أشكال عدة منها العسكرى والاقتصادى والثقافى والفكرى بهدف تلبية احتياجات الغرب من البترول والغاز. ثم جاءت الموجة الثالثة وهى المتعلقة باستيلاء القوى الغربية الكبرى على الموارد المائية للدول. فقد أشارت دراسة لمركز النزاهة العامة بالولايات المتحدة إلى أن الدول الغربية تستعد لجنى ما لايقل عن ترليون دولار أمريكى (ألف مليار) من ممارسة أنشطة خصخصة وتطهير وتوزيع وبيع المياه فى الأقاليم والمناطق التى تندر بها المياه وتباع بأسعار تفوق بكثير سعر برميل البترول. فقبل غزو العراق فى عام 2003 قدمت المخابرات الأمريكية تقارير تتنبأ فيها بما يعرف ب"الحروب الهيدرولوجية" حيث تكون ميادين الحرب الجديدة حول الأنهار والبحيرات وطبقات المياه الجوفية التى تعد من أساسيات الأمن القومى للدول. وبعدها تدفقت الشركات الأمريكية الكبرى تحديدا والغربية بوجه عام (وفى ذيلها شركات إسرائيلية) على المناطق الغنية بموارد المياه الطبيعية والمغذية لمناطق متاخمة تعانى من ندرة المياه. وإنصبت العروض الغربية الاستعمارية الجديدة على تشجيع فكرة "بيع المياه" للدول المحرومة كوسيلة لجنى المليارات من الدولارات من البائعين والمشترين بغض النظر عن النتيجة الكارثية التى ستنتج عن تلك الممارسات والتى يمكن أن تصل إلى حروب دموية تغذى مصانع السلاح والذخيرة فى الدول الاستعمارية. الشرق الأوسط فى المواجهة وقد عانت الدول العربية فى الشرق الأوسط من موجة الاستعمار المائى فى العقود الأخيرة. فقد حصلت شركة «بكتل» الأمريكية فى أبريل عام 2003 على عقود إعادة إعمار العراق بطريقة ملتوية من الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية فى صفقة بقيمة 100مليار دولار. وكان من المفترض ان تهتم الشركة ببناء المدارس والمستشفيات ولكنها اهتمت بإنشاء شركات استخراج وتوزيع المياه. وكانت ذات الشركة (بكتل) قد طبقت أسلوب خصخصة المياه فى دولة بوليفيا ورفعت السعر بمقدار 35% لتقع أعمال شغب عنيفة ضد الحكومة. وكانت النتيجة هى طرد الشركة من بوليفيا. وفى ليبيا يوجد خزان مياه جوفية طبيعى. وتم إقناع الرئيس الليبى السابق معمر القذافى بالاستثمار فى استغلال المياه الجوفية بقيمة 25مليار دولار. ورغب القذافى أن يظل مشروعه المائى وطنيا ومحليا بشكل كامل. ولكن بعد الثورة الليبية تكالبت الشركات الغربية، وخاصة شركات المياه الفرنسية الكبرى، على ليبيا لاستخراج المياه الجوفية واستغلالها للحصول على مليارات الدولارات. وفرضت الشركات الأجنبية تصميماتها التى تتطلب نفقات باهظة سيتحملها الشعب الليبى ويستفيد منها حملة أسهم تلك الشركات فى فرنسا وباقى الدول الغربية حيث ستذهب الأرباح وقيمة الفواتير التى يتم تحصيلها من الليبيين إلى جيوبهم. إسرائيل مرة أخرى! وفى سوريا حيث الحرب الأهلية التى تفتت وحدة البلاد برزت الأطماع المائية الإسرائيلية فى هضبة الجولان المحتلة. فقد أظهرت إسرائيل تأييدها للمقاتلين ضد نظام بشار الأسد فى سوريا الذى يهدد وجود إسرائيل فيما يتعلق بموارد المياه. فالأسد الذى لايملك أسلحة دمار قادرة على تهديد أو إجتياح إسرائيل مازال يصر على حق بلاده فى إسترداد هضبة الجولان التى تحتلها إسرائيل منذ عام 1967، وهو إذا ما حدث سيؤدى إلى فقدان إسرائيل ل40% من موارد المياه العذبة. وقد إعترف مائير داجان، رئيس المخابرات الإسرائيلية سابقا، بأن تحكم سوريا فى نصف موارد إسرائيل من المياه يمثل خطرا أكبر من حصول إيران على قنبلة نووية واحدة. وقد أبدى الرئيس السورى رفضه لعروض خصخصة المياه مانعا الشركات الغربية من الاستيلاء على مليارات الدولارات التى كانت ستحصل عليها فى حالة تطبيق مخططاتها المائية فى سوريا. وهكذا أدرجت القوى الغربية الاستعمارية إسم الأسد إلى جانب القذافى وصدام فى قائمة المعارضين لمخططاتها المائية الإستعمارية بالشرق الأوسط. وهكذا لم يبق سوى أن تتعاون دول المنابع والمصبات فى إطار إيجابى يلبى مصالح أصحاب الحقوق ويحميهم من أطماع القوى الاستعمارية. ومثلما تمكنت مصر وإثيوبيا وباقى الدول الإفريقية من تحرير القارة من الإستعمار القديم سيكون بإمكانهما حماية القارة من أخطار الموجة الاستعمارية الثالثة المتمثلة فى الاستعمار المائى الجديد.