ماهي التحديات الأساسية التي تواجهها ثورة25 يناير في مرحلة الانتقال؟ قد تكون الاجابة التقليدية علي هذا السؤال المهم تتمثل في أهمية وضع دستور جديد للبلاد يتم التوافق عليه بين كل القوي السياسية وإجراء انتخابات لمجلسي الشعب والشوري وانتخاب رئيس للجمهورية. غير أنه مع تقديرنا لضرورة إتمام هذه الخطوات المهمة والتي تمثل في حد ذاتها خطوات حاسمة في الانتقال من السلطوية إلي الديمقراطية, إلا إننا نلفت النظر إلي أنه مالم تتغير الثقافة السلطوية التي تسود المجتمع فإن الاجراءات السابقة لن تكون فعالة في مجال النقلة الديمقراطية المرغوبة. والسلطوية كما هو معروف في علم السياسة نظام سياسي يقوم علي استحواذ جماعات قليلة من النخب السياسية الحاكمة علي السلطة والقوة معا. وهذا هو الذي يسهل لها ممارسة القمع السياسي وحصار الأحزاب السياسية المعارضة والتضييق علي حركة مؤسسات المجتمع المدني بل وخرق حقوق الإنسان بصورة منهجية ضمانا لاستمرار الحكم غالبا لمدد غير محددة لأن باب تداول السلطة يتم إغلاقه بإحكام عبر إجراءات غير دستورية. وإذا تركنا الأبعاد السياسية للسلطوية جانبا وهي معروفة جيدا في النظرية وقد خبرتها الجماهير المصرية في الممارسة فإن موضوع الثقافة السلطوية السائدة في المجتمع لم يلق مايستحقه من اهتمام مع أهميته القصوي. بل إننا نؤكد أنه مالم تتغير الثقافة السلطوية السائدة فإن أمل الانتقال من الديكتاتورية إلي الليبرالية لن يتحقق. ويقتضي فهم أبعاد الثقافة السلطوية السائدة تحليلا ثقافيا لثقافة المجتمع العربي عموما والمجتمع المصري خصوصا.. وهناك إجماع بين علماء الاجتماع العرب علي أن هناك سمات عامة مشتركة سائدة في كل المجتمعات العربية المعاصرة وإن كانت هناك اختلافات نسبية تتعلق بالتاريخ الاجتماعي الفريد لكل مجتمع عربي ممايجعل الثقافة السلطوية فيه تتخذ أشكالا محددة وفق نوعية النظام السياسي السائد. وقد سبق لنا أن قمنا بدراسة استطلاعية للتحليل الثقافي للمجتمع العالمي والعربي والمصري( راجع كراسات إستراتيجية مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية مايو2009). وفي مجال التحليل الثقافي للمجتمع العربي وهو ماينطبق بالضرورة علي المجتمع المصري, ركزنا علي ثلاث ظواهر أساسية وهي هيمنة النص الديني علي العقل الجمعي وتهافت أداء العقل العربي وسيادة البنية الاجتماعية القمعية في ظل مايطلق عليه المجتع البطريركي أو المجتمع الأبوي الذي تمارس فيه السلطة سياسية كانت أو ثقافية بطريقة مطلقة. وبدون أن نخوض في عديد من التفاصيل الخاصة بكل ظاهرة من هذه الظواهر الثلاث نكتفي بمناقشة الأبعاد السياسية لكل منها. وبدون أن نخوض في عديد من التفاصيل الخاصة بكل ظاهرة من هذه الظواهر الثلاث نكتفي بمناقشة الأبعاد السياسية لكل منها. ويمكن القول أولا إن المجتمع العربي يتسم بسيادة روح التدين بين الجماهير الشعبية والنخب الفكرية علي السواء مما جعل للنص الديني سواء في ذلك القرآن الكريم أو الأحاديث النبوية مكانة مركزية في الوجدان العربي. إلا أنه نتيجة لعوامل سياسية وثقافية شتي تحولت النظرة الوسطية للدين والتي كانت سائدة إلي نظرة متطرفة نتيجة تشكل جماعات دينية متشددة اتخذت من الماضي مرجعية لها وأعلت من شأن النقل علي حساب العقل. وأكثر من ذلك استخدمت آلية القياس الخاطئ والتفسير المنحرف لصياغة مذاهب دينية تشجع علي الارهاب ومعاداة الآخر. وقد عانت دول عربية متعددة من نشاط هذه الجماعات الإرهابية التي مارست القتل للمسلمين وغير المسلمين بناء علي فتاوي دينية واعتدت علي الأرواح والممتلكات بزعم إزالة الدول العلمانية الكافرة والسعي لتأسيس دول إسلامية تحكم بتطبيق الشريعة الإسلامية. وإذا كانت موجة الإرهاب في العالم العربي قد انحسرت نتيجة المواجهات الأمنية الصارمة إلا أنه للأسف لم تتم صياغة سياسات ثقافية متكاملة من شأنها تحرير العقل العربي من الخرافة والتشدد الديني والتطرف السياسي. وهكذا أصبح العالم العربي ومن بينه المجتمع المصري لا يخضع فقط للسلطوية الفكرية التي يتزعمها دعاة دينيون متطرفون وسياسيون من أنصار جماعات الإسلام السياسي, يسعون لاستعادة حلم الخلافة الاسلامية ويحاولون ترسيخ قيم ثقافية رجعية من خلال الارهاب الفكري الذي يقوم علي عدم الاعتراف بالآخر والاتهام بالكفر. ومن هنا تبدو أهمية صياغة سياسة ثقافية تهدف إلي وضع النص الديني في موضعه الصحيح من خلال التأويل السليم له بما يتفق مع روح العصر. والظاهرة الثانية التي اهتممنا بتحليلها هي تهافت أداء العقل العربي في العقود الماضية. ويذهب بعض المفكرين العرب إلي أن العقل العربي يحتاج إلي تحديث لأنه عقل ساكن هيمن الجمود علي جنباته كما أنه يحتاج إلي نقد جذري يكشف عن الأنظمة المعرفية الأساسية التي يقوم عليها كما فعل الفيلسوف المغربي المعروف محمد عابد الجابري في كتبه المعروفة. ولعل الإنجاز الفكري المهم الذي حققه الجابري أنه اكتشف وحلل ثلاثة أنظمة معرفية أساسية قامت عليها الثقافة الإسلامية وهي النظام المعرفي البياني الذي يؤسس الموروث العربي الإسلامي الخالص( اللغة والدين) كنصوص( علوم النحو والفقه والكلام والبلاغة). والنظام المعرفي العارفاني الذي يؤسس قطاع اللا معقول في الثقافة العربية الإسلامية أو مايطلق عليه الجابري العقل المستقيل طريق الإلهام والكشف وأخيرا النظام المعرفي البرهاني الذي يؤسس الفلسفة والعلوم العقلية( والبرهان في العربية هو الحجة الفاصلة البينة). والمشكلة الحقيقية أن الخطاب العربي المعاصر يخلط خلطا شديدا بين البياني والعرفاني والمعرفي! وتبدو خطورة ذلك حين ينعكس هذا الخلط في الخطاب السياسي إذ نجد علي سبيل المثال جماعات سياسية تعلي من شأن العقل, في حين أن جماعات أخري كالصوفية تعلي من شأن الإلهام والكشف, ونجد كذلك جماعات ثالثة تتشبث بحرفية النصوص بالرغم من مجافاتها لروح العصر. وقد أدي هذا الخلط إلي تشوه الوعي الاجتماعي والفكري للجماهير العريضة. ونصل أخيرا للظاهرة الثالثة وهي سيادة المجتمع الأبوي حيث النخب السياسية الحاكمة التي تتشبث بالسلطة المطلقة وترفض الدخول في حوار حقيقي مع جماعات المعارضة كما نجد أيضا ممارسة للسلطوية الثقافية عن طريق جماعات تريد الهيمنة علي العقل الجماهيري باسم الدين. وخلاصة القول ان التحليل الثقافي للمجتمع العربي المعاصر والذي يكشف عن هيمنة النص الديني والممارسات العقلية المعيبة الناجمة عن التداخل التلفيفي كما يقول الجابري بين البيان والعرفان والبرهان بالاضافة إلي هيمنة الثقافة السلطوية يكشف لنا أهمية التصدي لهذه الثقافة إذا أردنا تحولا ناجحا من الديكتاتورية إلي الديمقراطية. المزيد من مقالات السيد يسين