9 يناير 2026.. أسعار الخضروات والفاكهة بسوق العبور للجملة    أسعار الذهب تنخفض بفعل تعديلات مؤشرات السلع وقبيل صدور بيانات الوظائف الأمريكية    إزاي تتحدد القيمة العادلة لسيارتك المستعملة؟.. 10 نصائح للبيع أو الشراء    ارتفاع حصيلة مزاد سيارات الجمارك في الإسكندرية لأكثر من 5 ملايين جنيه    غداً فصل التيار الكهربائي عن مدينة نجع حمادي بقنا    ماذا نعرف عن صاروخ أوريشنيك فرط صوتي الذي أطلقته روسيا على أوكرانيا؟    إلى أين وصلت الاحتجاجات في إيران؟.. إليك التفاصيل    الاحتلال الإسرائيلي يحتجز العشرات ويداهم منازل في الخليل    أتلتيكو مدريد ضد الريال.. الملكي يدعم فينيسيوس بعد أزمته مع سيميوني    مصرع وفقدان 39 شخصا في حادث انهيار بمكب للنفايات في الفلبين    دونجا: لا بد أن يبدأ مصطفى محمد بشكل أساسي أمام كوت ديفوار    مدحت عبد الهادي: لا بد من تواجد مهاجم صريح لمنتخب مصر أمام كوت ديفوار    سقوط أمطار متوسطة على دمياط فجر اليوم    مدغشقر تشدد الإجراءات الصحية في القطاع السياحي بعد تسجيل إصابات بجدري القرود    انقطاع الكهرباء عن أكثر من نصف مليون شخص في بيلجورود بعد هجوم أوكراني    الأعلى للجامعات يبحث نظم الدراسة بين مصر والولايات المتحدة الأمريكية    أعظم مشروع هندسي في القرن ال 20، مصر تحتفل بمرور 66 عامًا على إنشاء السد العالي    لمدة 12 ساعة، تعرف على أماكن قطع المياه غدا في الدقهلية    تفاصيل إطلاق تاجر خضار النار على موظف بمركز لعلاج إدمان في مدينة 6 أكتوبر    انطلاق امتحانات الفصل الدراسي الأول للصفين الأول والثاني الإعدادي بالجيزة غدا    مواعيد القطارات من أسوان اليوم الجمعة 9 يناير 2026    هويدا حافظ يكتب: من الميلاد.. إلى المعراج    فضل الحضور مبكرًا لصلاة الجمعة قبل صعود الخطيب للمنبر    ذهاب المرأة إلى المسجد لصلاة الجمعة موقف شرعي وآداب مستحبة    فضل قراءة سورة الكهف يوم الجمعة نور وبركة للمسلم    حافظوا على وحدتكم    مستشفى طنطا للصحة النفسية ينظم احتفالية كبرى لدمج المرضى المتعافين بالمجتمع    طريقة عمل تشيلي صوص بمكونات بسيطة وأحلى من الجاهز    إشارات لا يجب تجاهلها قد تنبهك لجلطة الرئة مبكرًا    ضبط 80 مخالفة بالمخابز ولحوم ودواجن غير صالحة بكفر الشيخ    افنتاح محطة تحلية مياه الشرب بمنطقة وادي العمرو بوسط سيناء    مصرع طفلة سقطت في بيارة منزل بنجع حمادي    ترامب: لم أتناول أدوية إنقاص الوزن وربما يجب علي ذلك    رامي إمام يتغزل في محمد سعد والفنان يعلق: اتبسطت بالشغل معاك يا حبيبي يا وش الخير (فيديو)    الدنمارك ترحب بالحوار مع واشنطن بشأن جزر جرينلاند    مصطفى بكري: الرئيس السيسي تحمل ما تنوء عنه الجبال.. وبكره التاريخ سيعطيه حقه    نتيجة مباراة مالي والسنغال الآن.. صراع شرس على بطاقة نصف النهائي    القمص موسى إبراهيم: القيادة السياسية تؤكد متانة النسيج الوطني    وفاة شقيقة «وسيم السيسي» وتشييع الجثمان اليوم بمصر الجديدة    رئيس المتحف الكبير: مواقع مزورة لبيع التذاكر خارج مصر تهدد بيانات البطاقات    الرئيسة المؤقتة لفنزويلا: تشكيل لجنة لإعادة مادورو وزوجته إلى البلاد    قراءة توثيقية تفنّد رواية "الفشل.. تفاعل واسع مع منشور "نجل الرئيس مرسي: من أسقط التجربة لا يملك رفاهية التباكي    عامل يعتدى على مدير مطعم بسبب خلافات العمل ثم ينهى حياته فى العجوزة    تموين الإسكندرية يضبط 1589 زجاجة زيت تمويني مدعم بالمنتزه    سليمان ينتقد مجلس إدارة الزمالك    ألونسو ينتقد سيميوني.. ويؤكد: قدمنا شوطا مميزا أمام أتلتيكو مدريد    محافظ الإسكندرية يتفقد توسعة شارع أبو قير وإزالة كوبري المشاة بسيدي جابر    وزير خارجية عُمان يتجول في المتحف المصري الكبير ويشيد بعظمة الحضارة المصرية    «إن غاب القط» يتصدر إيرادات السينما.. ماذا حقق في 8 أيام؟    عالم مصريات يكشف عن قصة المحامي الذي قاده لاكتشاف «مدينة» تحت الأرض    موعد مباريات اليوم الجمعة 9 يناير 2026| إنفوجراف    نجوم هووليوود فى لقاءات حصرية مع رامى نوار على تليفزيون اليوم السابع.. فيديو    وسيم السيسي: النبي إدريس هو أوزيريس.. وأبحاث الكربون تثبت أن حضارتنا أقدم ب 2400 عام    رئيس جامعة المنوفية يتابع خطط التطوير ويكرم الأمين العام المساعد لبلوغه سن المعاش    "مدبولي" يُشيد بجهود منظومة الشكاوى.. ويُوجه بمواصلة تلقي بلاغات المواطنين    خالد الجندي يحذر من الزواج من شخص عصبي: هذه صفة يكرهها الله    مواجهة نار في كأس آسيا تحت 23 عامًا.. العراق يفتح النار على الصين في انطلاق المجموعة الرابعة    النصر يواجه القادسية في مواجهة حاسمة.. شاهد المباراة لحظة بلحظة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مويان في كلمة »نوبل«يروي :
أنا وأمي والحكايات
نشر في أخبار الأدب يوم 15 - 12 - 2012

تسلم الكاتب الصيني مويان جائزة نوبل منذ تسعة أيام، وفي هذه المناسبة ألقي هذه الكلمة التي ننشر مقاطع منها:
رغم أن أبويّ قد ربياني بعناية، إلا أنهما لم يستطيعا تغيير كوني أحب الكلام، وهذا ما أعطي مغزي ساخراً لاسمي مو يان، الذي يعني »لا تتحدث«.
في السوق رأيت بالصدفة الحارس الذي سبق وأن ضرب أمي، أردت الانقضاض عليه والانتقام لأمي، غير أنها منعتني وقالت بسكينة:"يا بني، السيد الذي ضربني والسيد الذي تراه ليسا نفس الشخص الآن«.
في أحيان كثيرة، يشكو الأشخاص الذين أستخدم أسماءهم في اعمالي لأبي، فيقول لهم إنني أقول عنه في روايتي »ذرة حمراء رفيعة« أنه نجل قاطع طريق: »وإن كنت أنا لم أعبأ بما قاله، فلماذا يجب أن يصيبكم الحنق؟«
في رأيي، التأثير الذي نتلقاه من كتاب آخرين ينجم عن التشابه الروحي الذي نخبئه داخل أعماق قلوبنا، كما نقول في الصين: »الروحان المتشابهتان تتفاهمان سريعاً«.
أعضاء الأكاديمية المحترمين، السيدات والسادة:
ربما تعرّفتم بفضل التليفزيون والإنترنت علي قريتي ومسقط رأسي، منطقة دونجبي بجاومي، البعيدة جداً عن هنا. وربما شاهدتم أبي، رجلاً في التسعين، أو أخوتي، وزوجتي، وبنتي، وحفيدتي التي تبلغ من العمر ستة عشر شهراً. مع ذلك، في هذه اللحظة المجيدة جداً، لا أفتقد إلا إلي شخص واحد، أمي. ويمكننا أن نراها الآن. عندما انتشر خبر فوزي بجائزة نوبل في أرجاء الصين، هنأني الكثيرون، غير أنها الوحيدة التي لم تستطع أن تفعل ذلك.
ولدت أمي في عام 1922 وماتت في 1994شرق قريتي. والسنة الماضية، وبسبب تشييد خط سكة حديد يعبر بهذا المكان، اضطررنا لنقل قبرها لمكان آخر بعيد عن القرية. انتبهتُ عند فتح القبر أن الصندوق الذي يضم الرماد قد اندثر، وصار جزءاً من الأرض. ولم يسعنا إلا أن نقبض علي قليل من التراب كذكري لوضعه في المقبرة الجديدة. شعرتُ، بداية من تلك اللحظة، بأن أمي كانت دوماً جزءاً من الأرض، وأنني عندما أقف فوقها لأقص الحكايات، أعرف أن أمي تنصت إليّ.
في السعادة تختبيء المصائب؛
وفي المصائب تكمن السعادة«
إحدي أولي ذكرياتي معها كانت عندما حملت الزجاجة الحرارية الوحيدة التي كنا نمتلكها لأملأها بماء ساخن من المطعم العام. ولأنني كنت جائعاً وخائر القوة، لم أستطع تحمل ثقل الزجاجة، فكُسرت. ولأن الخوف تملكني جداً، اختبأت في كومة قش طول اليوم دون أن أتجرأ علي الخروج. وحل الليل، وسمعت أمي تناديني بلقب العائلة. فخرجت من هناك متوقعاً أن تزجرني أو تضربني؛ إلا أنها لم تفعل، بل علي العكس ملّست علي رأسي وأطلقت تنهيدة طويلة.
وأقسي ذكري كانت اليوم الذي رافقتُ فيه أمي لنجمع القمح المتساقط في حقل تملكه الدولة. جاء حارس الحقل، فهرب الجميع ركضاً بأقصي سرعة، إلا أمي التي هرولت بالكاد بقدمين ملفوفتين بضمادة. فأمسك بها الحارس الذي كان طويلاً جداً وقوياً وسدد لها لكمة في وجهها. لم تستطع أمي أن تتحمّل الضربة فتهاوت علي الأرض. الحارس أخذ منا القمح الذي جمعناه وانصرف وهو يصفر كأن شيئاً لم يكن. بينما ظلت أمي تنزف من فمها وهي جالسة علي الأرض، ورُسم علي وجهها يأس لا يمكنني أن أنساه طيلة حياتي. وبعد ذلك بسنوات طوال، عندما صار الحارس الشاب مسناً وحل الشعر الأبيض محل الشعر الأسود كاملاً، رأيته بالصدفة في السوق. أردتُ أن انقض عليه لأضربه كثأر، غير أن أمي منعتني وسحبتني من يدي وقالت بسكينة: »يا بني، السيد الذي ضربني والسيد الذي تراه ليسا نفس الشخص الآن«.
ثمة ذكري أخري لا يمكن أن تُمحي من ذاكرتي، كنا ظهيرة حفل منتصف الخريف، واستطعنا بعد صعوبات كثيرة أن نصنع مكرونة باللحم والخضار؛ وكان نصيب كل منا قطعة صغيرة. وعندما كنا علي وشك الأكل، اقترب شحاذ مسن من بيتنا. أخذتُ قطعة وعدة شرائح من البطاطس الجافة وأعطيتها له، مع ذلك غضب وقال: »أنا رجل عجوز، وأنتم تأكلون المكرونة باللحم وتهبونني القليل من البطاطس الجافة، يا لقلوبكم الباردة«. أغضبتني كلماته فدافعت:"نحن لا نأكل المكرونة باللحم إلا عدة مرات في العام. وكل واحد فينا لا يأخذ إلا القليل، ما يملأ بالكاد نصف معدتنا. ولم يتبق منا إلا البطاطس الجافة، إن كنت لا تريدها، فاذهب إلي الجحيم!«. حينها زجرتني أمي. ثم قامت وأخذت نصف ما عندنا وأعطته كله للسيد.
أكثر الذكريات التي سببت لي ندماً كانت في يوم رافقتُ فيه أمي لنبيع الكرنب الصيني. بالصدفة، حصّلتُ عشر سنتات زيادة من رجل مسن. جمعتُ الحصيلة كلها وذهبتُ للمدرسة. وبانتهاء اليوم الدراسي عدتُ للبيت، فشاهدتُ أمي، وهي المرأة التي نادراً ما تبكي، تأن بحزن مفجع. كانت الدموع تكسي وجهها. لم تنهرني أمي، بل تركت الكلمات تهرب برقة: »ابني، أي خزي جلبته لي!«.
في طفولتي، أصيبت أمي بمرض رئوي. كان الجوع والمرض والإرهاق سحب أسرتنا لعمق هاوية يأس قاتمة. وكل يوم كانت تتضح أمامي نبوءة فظيعة، كان يبدو لي أن أمي قد تنتحر في أي لحظة، وكلما عدت إلي البيت من العمل، وعند دخولي من الباب، كنت أصرخ باسمها بصوت عال. وأهدأ بعد أن تجيبني وأكمل يومي؛ وفي حالة عكس هذه، كنت أضطرب، وأبحث عنها في كل ركن، بما فيها الغرفة الخارجية وغرفة المطحن لأجد أي أثر لها. وذات مرة، بعد أن مشطت كل الأماكن الممكنة، لم أتمكن من العثور عليها، هكذا جلست في الطرقة وشرعت في البكاء بكل قوتي. في تلك اللحظة تحديداً، رأيت أمي قادمة من بعيد ومعها حزمة حطب. عبّرت لي عن ضيقها من بكائي دون أن أستطيع أن أشرح لها كم أنا مشغول عليها. شعرتْ أمي بسر قلبي وقالت: »يا بني، لا تشغل بالك، حتي لو فقدت كل مباهج الدنيا، ولم يحن يومي، فلن أرحل للعالم الآخر«.
أنا قبيح بالوراثة منذ ولدتُ، وكثيرون من أبناء قريتي كانوا يسخرون مني في وجهي؛ وبعض زملاء دراسة أشرار ضربوني حتي لهذا السبب. ذات يوم عدتُ للبيت، وبدأت أبكي بحزن كبير، فقالت أمي: »يا بني، لست قبيحاً. أنت ولد طبيعي، كيف تقول إنك قبيح؟ إضافة لذلك، لو ظللت شاباً بقلب أبيض وصنعت الخير، حتي لو كنت قبيحاً بالفعل، ستصير ولداً جميلاً«. عندما انتقلتُ للمدينة، بعض أشخاص قد تلقوا تعليماً جيداً كانوا يسخرون مني بالنكات الحمقاء حول وجهي، أحياناً من وراء ظهري وأحياناً أخري أمامي. في تلك اللحظات، كنت أستحضر كلمات أمي، فتهدئني، وأنتبهتُ أنني أنا من يتحتم عليه أن يطلب منهم المعذرة.
كانت أمي أمية، لذلك كانت تحترم بشكل مفرط كل من تلقي تعليماً. كانت حياتنا مليئة بالصعوبات، ولم يكن بوسعنا توفير ثلاث أكلات عادية يومياً، غير أنني كلما طلبت منها شراء كتاب أو ورق، لم تكن تتأخر. كانت امرأة جادة في العمل، وتكره الشباب الكسالي، لكنني كلما كرست وقتاً لقراءة الكتب ونسيت عملي، كانت تلتمس لي عذراً.
ذات مرة جاء حكاء إلي سوق قريتنا. فهربتُ من الأعمال التي كلفتني بها أمي وذهبت للسوق لأسمع الحكايات. نهرتني أمي علي ذلك. وبالليل، عندما بدأتْ في تجهيز المعاطف الشتوية تحت ضوء
مصباح الزيت الخافت، لم أستطع السيطرة علي نفسي وقصصت عليها الحكايات التي تعلمتها خلال اليوم. في البداية، لم تكن لديها رغبة لسماع أي كلمة لأن الحكاء كان لا يبدو لها مهنة عادية وأن الحكائين ليسوا إلا ثلة من الرجال الثرثارة والمهرجين؛ إضافة لذلك، فالحكايات التي يحكونها لا تقدم أشياءً مفيدة. مع ذلك، جذبتها رويداً رويداً الحكايات التي بدأت في روايتها. بعد ذلك، كلما أقيمت الاحتفالات، لم تكن أمي تكلفني بأي عمل؛ أعطتني بذلك إذناً ضمنياً بالذهاب لسماع الحكايات. ولكي أكافيء كرمها وأيضاً لأزهو بقوة ذاكرتي، كنت أقص عليها كل التفاصيل الخاصة بكل الحكايات التي سمعتها طوال اليوم.
بعد فترة قليلة، لم يعد يشبعني حكي الحكايات التي يحكيها الحكاء كما هي، هكذا شرعت في خلق تفاصيل أثناء القص. وبهدف أن تروق لأمي، كنت أضيف مقاطع وأحياناً أعدل النهايات. مع الوقت لم يقتصر المستمعون علي أمي وحدها، بل انضم لها أختي وخالاتي، وشكّلت جدتي جزءاً منهم. أحياناً كانت أمي تعبر عن قلقها بعد سماعها للحكاية. كان يبدو أنها توجه كلامها لي لكن أيضاً ربما توجه لنفسها. »يا بني، أي مهنة ستمتهن في المستقبل؟ أتريد أن تعمل في حكي الحكايات؟«.
أدركتُ قلق أمي لأنهم في قريتنا لم يكونوا يحترمون الولد المتكلم، فأحياناً ما يجلب المتاعب لنفسه والمشاكل لعائلته. في قصتي »الثور« أحكي عن ولد مرفوض في قريته لأنه يتحدث كثيراً، إنها حكاية صباي. كانت أمي تذكرني بتكرار أن أتحدث قليلاً لأنها تتمني أن أكون ولداً هادئاً وكريماً، وصامتاً. مع ذلك، برهنت أنني أتمتع بقدرة لغوية وميل كبير للحديث، وهو ما كان يمثّل خطورة واسعة. وكانت قدرتي علي حكي الحكايات يسبب لأمي بهجة. يا للمعضلة التي كانت تعيشها!
يقول المثل الصيني: »من الممكن أن تغير عائلتك الملكية، لكن من الصعب تغيير شخصيتك«، ورغم أن أبويّ قد ربياني بكثير من العناية، إلا أنهما لم يستطيعا تغيير كوني أحب التكلم. وهذا ما أعطي مغزي ساخر لاسمي مو يان، الذي يعني »لا تتحدث«.
لم أستطع أن أنهي دراستي وتحتم عليّ أن أترك المدرسة لأن حالتي الصحية، في طفولتي، كانت حساسة جداً؛ لم أكن أستطيع بذل مجهود كبير ولم يسعني إلا رعي غنمنا بمرج مهجور. وعندما كنت أسوق البقر إلي المرج ونعبر من أمام باب المدرسة، كنت أري زملاء الدراسة يلعبون ويدرسون فأشعر كم أنا وحيد وبائس. بداية من تلك اللحظة أدركت الألم الذي من الممكن أن نسببه لأحد، حتي لطفل عندما يقصونه من وسط الجماعة التي يعيش بينها.
أطلقت الماشية في المرج وتركتها ترعي بحرية. تحت سماء بلون أزرق كثيف تبدو كمحيط لا نهائي، في هذا المرج الأخضر الرحب لدرجة أنه لا يمكن الوقوف علي حدوده في أي اتجاه، لم يكن هناك إلا أنا ولم يكن يُسمع لأحد إلا زقزقة العصافير. كنت أشعر بأنني منعزل جداً، كأن روحي قد هربت مني ليبقي جسدي فارغاً من الداخل. كنت أرقد أحياناً في المرج ناظراً إلي السحاب الذي كان يطفو فوقي بكسل وتأتيني صور كثيرة غير واقعية وبلا مغزي. كانت تنتشر في قريتي حكايات عن ثعالب قديمة قد تتحول لنساء جميلات. لهذا كنت أتخيل أن واحدة من تلك الجميلات قد تأتي وتصطحبني بينما أرعي الماشية، لكنها لم تظهر أبداً. مع ذلك رأيت ذات مرة ثعلباً بلون أحمر لافت يقفز من فوق شجيرات بمواجهتي. وقعتُ علي الأرض جراء الرعب. واختفي في الحال، غير أنني بقيت في مكاني جالساً ومرتعشاً خلال وقت طويل. وأحياناً كنت أجلس مقرفصاً بجانب ثور لأنظر لعينيه ذات اللون الأزرق السماوي وانعكاسي فيهما. وأحياناً كنت أحاكي زقزقة العصافير وأحاول التحدث معها؛ وأحياناً كنت أدع أسرار قلبي لشجرة. إلا أن العصافير لم تعبأ بي، ولا الأشجار. وبعد سنوات طوال، عندما أصبحت كاتباً، ضمّنت رواياتي كل الخيالات التي راودتني في صباي. وأشاد الكثيرون قدرتي علي التخيل. وبعض هواة الأدب سألوني عن السر وراء كل هذا الخيال. حينها كنت أجيبهم بابتسامة مُرّة.
كما قال جدنا الحكيم لوازي: »في السعادة تختبيء المصائب؛ وفي المصائب تكمن السعادة«. وخلال مراهقتي عانيت آلاماً كثيرة، مثل ترك المدرسة، الجوع، العزلة ونقصان الكتب. إلا أنني فعلتُ ما فعله كونجون شن، وهو كاتب كبير من جيل سابق: قراءة ما يمكن في المجتمع والحياة فكلاهما معاً يشكل كتاباً كبيراً غير مرئي. وما حكيته في البداية عن السوق واستماع الحكايات هو الصفحة الأولي في كتاب حياتي.
بعد أن تركتُ المدرسة، نفيتُ نفسي مع البالغين وبدأت مرحلة طويلة من »القراءة بالأذن«. من مائتي عام، كان يعيش في مسقط رأسي حكّاء عبقري: السيد سونجلينج بو. كثيرون من أهل قريتي، بمن فيهم أنا، أصبحنا ورثته. وفي الحقل التابع للحكومة، وفي مزرعة الإنتاج، وفي سرير أجدادي، والعربة المرتجفة التي يجرها ثور، سمعتُ مئات الحكايات عن الأشباح والأرواح، مئات الأساطير التاريخية، حكايات مثيرة مرتبطة بشكل وثيق بالطبيعة القروية والتاريخ العائلي، وقد أثارت فيّ شعوراً واضحاً بالواقع.
لم أكن أتصور أبداً ان تلك الاشياء قد تفيدني في المستقبل كمواد خام لكتاباتي. في تلك الفترة لم أكن سوي هذا الولد الذي تدهشه الحكايات والكلمات التي تستخدم في الحكي. في تلك الفترة كنت،
كنت اعتقد أن كل شيء له روح وعندما كنت أصادف شجرة عالية وكبيرة، كانت تراودني الرغبة في أن أعبر لها عن احترامي.
بالطبع، مؤمناً. كنت اعتقد أن كل شيء له روح. وعندما كنت أصادف شجرة عالية وكبيرة، كانت تراودني الرغبة في أن أعبر لها عن احترامي. وعندما كنت أري عصفوراً، كنت أنشغل بمتي سيصبح كائناً بشرياً. وعندما أري رجلاً غريباً، كنت أشك إن كانت روح حيوان دخلت في جسد بشري. وكل ليلة مع عودتي للبيت من مكتب مزرعة الإنتاج، كان يهاجمني خوف مروع. ولكي أطرده، كنت أغني بصوت مرتفع وأنا أركض للبيت. في تلك الفترة كنت أبدأ في المراهقة، وصوتي يتغير، والأغاني الفظيعة التي كنت أغنيها بصوتي الخشن كانت عذاباً لجيراني في القرية.
خلال الواحد وعشرين سنة التي عشتها في قريتي، كانت أطول رحلة قمت بها إلي كينجاتو بالقطار. في تلك الرحلة تُهتُ تقريباً بين ألواح خشب إحدي ورش النجارة. وعندما سألتني أمي عن الطبيعة هناك، أجبتها بأنه للأسف لا شيء هناك سوي ألواح هائلة من الخشب. لكن بفضل هذه الرحلة، اتضح لي أنني يجب أن أخرج من القرية وأري العالم خارجها.
في فبراير 1976 اكتملت فيّ كل شروط الالتحاق بالتجنيد، فحملتُ معي أربعة مجلدات عن »التاريخ الموجز للصين« التي اشترتها لي أمي بمال ذهبها الذي باعته، وخرجت هكذا من منطقة دونجبي بقرية جاومي، المكان الذي أحمل له كل المشاعر، الإيجابية والسلبية، لأبدأ مرحلة هامة في حياتي. يجب أن أعترف أنه لولا التقدم الكبير وتطور المجتمع الصيني خلال الثلاثين عاماً الأخيرة، بسبب الانفتاح والإصلاح، ما كان هناك كاتب مثلي الآن.
كنتيجة للملل العسكري، دخلت في موجة أدبية جديدة وفي الانفتاح الفكري في ثمانينات القرن الماضي. حينها لم أكن إلا هذا الولد الذي يروق له سماع الحكايات وترديدها، هكذا قررت البدء في الحكي بقلم رصاص. مع ذلك، تعثرت في البداية في صعوبات كثيرة لأنني لم أنتبه إلي أن تجربة حياتي في القرية خلال اكثر من عشرين سنة كانت كنزاً. كنت أظن أن الأدب تسجيل اللحظات العذبة وتذكر الناس النبلاء، كنت أعتقد أنه ببساطة وصف الأبطال والصور الاجتماعية المثالية، هكذا رغم نشري عدة أعمال، لم تتمتع بالجودة.
في عام 1984 اجتزت امتحان القبول والتحقت بكلية الآداب بأكاديمية الفنون التابعة لجيش التحرر الشعبي. وبفضل ملاحظات ومساعدات أستاذي الجليل، الكاتب الشهير هوزهونج كسو، تمكنت من تجهيز عدة حكايات وروايات قصيرة، مثل »الماء الخريفي« »البحر الجاف« »الفجل الأحمر غير المرئي«، »ذرة رفيعة حمراء«، إلخ. في الماء الخريفي، ظهر لأول مرة اسم قريتي: منطقة دونجبي بجاومي، وبداية من تلك اللحظة، شعرت بأنني فلاح متجول عثر في النهاية علي الحقل الذي كان يبحث عنه، كاتب تائه وجد في آخر المطاف نبع إلهامه الخاص. يجب أن أعترف أنني في عملية إبداع منطقة دونجبي بقرية جاومي في أعمالي، ألهمني كثيراً كل من الأمريكي ويليام فوكنر والكولومبي جارثيا ماركيز. لم أكن حتي ذلك الحين قد قرأت أعمالهما بتدقيق، لكن روحهما المبدعة وسخاءهما أثارا حماستي كثيراً. لقد جعلاني أفهم أنه علي كل كاتب أن يكون له خصوصيته. كل شخص يجب أن يكون متواضعاً مع مرور الأيام، مع ذلك يجب أن يكون متغطرساً وقاطعاً في إنتاجه الأدبي. اتبعت خطوات هذين الأستاذين خلال سنتين، لكن بعدهما انتبهتُ أنني يجب أن أبتعد عنهما. وقد عبرت عن هذا في مقال لي: »هذان الأستاذان مثل فرن ملتهب وأنا مثل قطعة من الثلج، لهذا لو اقتربت أكثر منهما سأتبخر«. في رأيي، التأثير الذي نتلقاه من كتاب آخرين ينجم عن التشابه الروحي الذي نخبئه داخل أعماق قلوبنا، كما نقول في الصين: »الروحان المتشابهتان تتفاهمان سريعاً« . بالتالي، حتي ولو لم أقرأهما بعناية، فمن خلال صفحات قليلة كنت أستطيع أن أفهم ما فعلوه، أستطيع أن أفهم كيف فعلوه، وبعدها يتضح لي ما يجب أن أفعل والطريقة التي أفعل بها.
ما فعلته كان بسيطاً جداً، حكاية الحكايات علي طريقتي. وطريقتي هي نفس طريقة حاكي الحكايات بسوق قريتي، حكايات أعرفها جيداً؛ أحكيها بطريقة حكي أجدادي أيضاً وعجائز قريتي. بكل صراحة، عندما أحكي حكاياتي، لا يمكنني أن أتخيل من سيكونون قرائي. ربما قاريء مثل أمي، أو مثلي. حكاياتي هي تجارب الماضي، كما هي تجربتي في "بحر جاف" هذا الولد الذي يضربونه بقسوة، وفي الفجل الأحمر غير المرئي، هذا الولد الذي لا يتحدث منذ بداية العمل لنهايته. انا مثل هذا الولد، ضربني أبي ضرباً مبرحاً ذات مرة لأنني ارتكبت خطأ. أنا أيضاً من كلفوني بمنفاخ أثناء تشييد جسر. بالطبع، كلما كانت الخبرات فريدة، كلما أمكن ضمها في متن رواية، لكن الروايات يجب أن تكون خيالية وخلابة، فلا يصح كتابة تجارب لا جدوي منها. أصدقاء كثيرون أخبروني أن "الفجل الأحمر غير المرئي" أفضل رواياتي. بخصوص هذا الرأي، لا ارفضه ولا أقبله، لكن علي أية حال الفجل الأحمر غير المرئي هي أكثر الأعمال التي تحمل بصمتي وتبرز مغزاها العميق. هذا الولد صاحب البشرة الغامقة الذي يتمتع بقدرة لا تقارن لتحمل كل أنواع الآلام ولديه قدرة أخري فريدة بإدراك تغيرات الحياة الصغيرة، هذا الولد هو روح هذه الرواية. ورغم أنني صنعت شخصيات أخري كثيرة بعده، لا أحد يقارن بهذا الولد لأنه بشكل عملي الصورة الكاملة لروحي. بمعني آخر، من بين كل الشخصيات التي يصنعها الكاتب نفسه هناك دائماً شخصية أعلي من الأخريات؛ هذا الولد الصامت من هذا النوع، لا يتحدث غير أنه قادر علي تحريك كل الشخصيات وملاحظة الأحداث المبهرة التي تحدثها الشخوص في مسرح مثل جاومي.
الخبرات الشخصية محدودة. وعندما انتهت هذه الحكايات لم أجد من وسيلة أمامي إلا قص حكايات الآخرين. حكايات أقاربي وجيراني، والحكايات التي حكاها لي عجائز القرية عن أسلافي، والتي دخلت رأسي كأنها جنود تجتمع لتسمع أمراً. توغلت كلها لداخلي علي أمل أن تكون مكتوبة بيدي. جداد من أبي، أبواي، أخوتي الأكبر مني، أعمامي، زوجتي وابنتي، كلهم ظهروا كشخصيات روائية. بالطبع أدخلت عليهم تغييرات أدبية ليكونوا أكثر معني وليصيروا صوراً شعرية حقيقية.
في روايتي الأخيرة »ضفدعة«، تظهر صورة خالتي. وبعد إعلان فوزي بنوبل ذهب صحفيون كثيرون إليها ليحاوروها. في البداية، تمتعت بصبر جم وأجابت علي الكثير من أسئلتهم، لكنها لم تستطع تحمل المضايقات كثيراً فاختبأت في بيت ابنها، الذي يعيش في عاصمة مقاطعتنا. كانت خالتي الموديل الحقيقي الذي اشتغلت عليه أثناء إعدادي للرواية؛ مع ذلك، تختلف الشخصية الروائية كثيراً عن خالتي. فالشخصية قوية جداً كأنها عضو في مافيا، بينما خالتي ظريفة جداً ومبتهجة، زوجة كاملة وأم ساحرة. خالتي الحقيقية تمتعت بحياة سعيدة جداً حتي الآن، بينما خالتي الروائية، عندما شاخت، عانت من الأرق الناتج عن جرح نفسي عميق وكانت ترتدي ثياباً أسود كل الأيام كأنها شبح يتجول بالليل. ينبغي أن أشكر خالتي الحقيقية علي تسامحها لأنها لم تغضب بعد أن عرفت أنني قد وصفتها بهذه الطريقة؛ أقدر كذلك ذكاءها لأنها استطاعت فهم العلاقة المعقدة الموجودة بين الشخصيات الأدبية والواقعية.
عندما ماتت أمي، خنقني الألم وقررت أن أكتب كتاباً عن حياتها. أشير إلي »نهود كبيرة ومؤخرات عريضة«. ولأنني كنت أعرفها جيداً طيلة حياتي وكنت ممتلئاً بمشاعري ناحيتها، أنجزت المسودة الأولي لهذه الرواية في خمسمائة الف كلمة خلال ثلاثة وثمانين يوماً.
في »نهود كبيرة ومؤخرات عريضة« تجرأت واستخدمت تفاصيل كنت أعرفها عن حياتها؛ مع ذلك، فيما يخص تجاربها العاطفية، اخترعتُ جزءاً منها وراكمت تجارب الأمهات من سنها في قرية جاومي. ووضعت في إهداء الكتاب العبارة التالية: »إلي روح أمي«، مع ذلك، فهذا العمل في الواقع مهدي إلي كل أمهات هذا العالم. وهذا أحد طموحاتي، مثل طموح أن أمتص الصين والعالم فتكون جاومي صورته المصغرة.
هناك طرق مختلفة لإلهام الكُتّاب، وكتبي أيضاً لها منابع إلهام متعددة. بعض الكتب استلهمتها من أحلامي، كما حدث في »الفجل الأحمر غير المرئي«، وبعض آخر من الواقع، كما حدث في »رقصات الثوم«. أياً كان مصدر الإلهام، التجارب الشخصية لا غني عنها ولها تأثيرات هامة، حيث تزود العمل بفرادة أدبية. علي العمل الأدبي أن يتمتع بشخصيات مختلفة مرسومة بشكل جيد بصفاتها الخاصة، بحيث تبرز لنا كلماتها اللامعة داخل بنية روائية فائقة. أريد أن أتحدث قليلاً عن »رقصات الثوم«. لقد رسمت في هذا العمل شخصية هامة جداً: حاكي حكايات. لكنني استخدمتُ الاسم الحقيقي لصديق في الواقع حكّاء، هكذا يجب أن أعتذر له. بالطبع، ما يفعله في الرواية متخيل. لقد حدثت هذه الظاهرة في مرات كثيرة من أعمالي: عندما أبدأ في كتابة رواية أريد أن أستخدم أسماءً حقيقية لأنقل شعوراً حقيقياً، ومع ذلك، عندما أنجز الرواية يكون من المستحيل تغيير هذه الأسماء. في أحيان كثيرة، الأشخاص الحقيقيون الذين أستخدم أسماءهم في أعمالي يبحثون عن أبي للشكوي إليه. أبي لا يعتذر لهم فحسب، بل يهدئهم ويشرح لهم قائلاً:« العبارة الأولي في ذرة حمراء رفيعة عن أبيه ويقول فيها: أبي نجل قاطع طريق شرير. وإن كنت أنا لم اعبأ بما قاله، فلماذا يجب أن يصيبكم الحنق؟«.
عندما كتبت روايات من نوع »رقصات الثوم«، أقصد الروايات الواقعية، المعضلة الكبيرة التي واجهتني لم تكن الخوف من مواجهة الظلمات الاجتماعية ونقدها، بل كيف يمكنني أن اسيطر علي الشغف العارم والغضب حتي لا أضل طريقي صوب السياسة ولا أبتعد عن الأدب. لا أريد أن أكتب تاريخاً للأحداث الاجتماعية. فالروائي جزء من المجتمع، ومن الطبيعي أن يكون له آراؤه الخاصة وأفكاره؛ مع ذلك، عندما يتصدي للكتابة يجب أن يكون عادلاً، يجب أن يحترم الشخصيات كما يحترم الشخصيات الواقعية. وكلما تحقق هذا الشرط، من الممكن أن يتمخض الواقع عن أدب ويتفوق عليه، من الممكن أن ينشغل بالسياسة لكنه يعلو عليها.
لقد منحتني الفترات الزمنية الطويلة والصعبة التي عشتها تفاهماً كبيراً للبشرية. أعرف ما هي الشجاعة الحقيقية وما هي الرحمة النقية. أفهم أن في القلب البشري مكاناً لا يمكن تعريفه بالخير أو الشر؛ إنه مظهر رمادي يهب الكاتب احتمالية كبيرة لصنع عمل جليل. وكلما اختار بشكل صحيح ووصف بشكل حيوي هذا المكان الرمادي والملتبس، استطاع عمله أن يكون أكثر جودة، فيتجاوز حدود السياسة، ويصبح أدباً حقيقياً.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.