من يستمع إلي حكاية الشاعر السويسي الموهوب محمد التمساح، وهو يروي ما حدث له منذ أيام- ولمجموعة من الثوار من قبل رجال الأمن بمحافظة السويس، لابد أن يشعر بخيبة أمل كبيرة، لأنه سيدرك علي الفور، أنه حتي هذه اللحظة لم يحدث تغيير حقيقي أو حتي ملموس، بقطاع الشرطة، في تعامله مع المواطنين. القصة تبدأ علي لسان التمساح "عندما توجه مجموعة من المعتصمين إلي مستشفي السويس العام، مع زميل لهم دخل في مرحلة الإضراب عن الطعام، مما أدي إلي تدهور حالته الصحية، وتمكن أعراض الغيبوبة الكاملة منه، وعند وصولهم للمستشفي توجهوا إلي نقطة الشرطة بها لإثبات حالة المريض الثائر، لكن أمين الشرطة الموجود في النقطة، لم يبال بهم واستمر في مكالمته التليفونية العاطفية، فأخبروه برغبتهم في تحرير المحضر، وعندما علم أنهم ثوار قام بسبهم، واشتبكوا كلاميا معه، واتصلوا بي ليخبروني- أيضا- أن المستشفي ليس بها أي استعدادات لمعالجة زميلهم، فاتصلت بالمحافظ، الذي ذهب معنا إلي المستشفي، وبمجرد أن وصل جري أمين الشرطة تاركا مكان خدمته، وقمت بتدهدئة الجميع، وفوجئنا بإثنين بعد أن غادر المحافظ المكان- ناديا عليّ، فذهبت إليهما فقال أحدهما أنه ضابط بالجيش، واتضح فيما بعد أنهما من الشرطة أرادا استدراجنا إلي قسم السويس، رغم أنني كنت قد أنهيت الخلاف مع أمين الشرطة، وصالحته علي زملائي، والحقيقة أنني شعرت أن الأمور تسير نحو شيء مدبر لنا، لذا اتصلت بالمحافظ، وأخبرته بإصرارهما علي ذهابنا للقسم، للتوقيع علي محضر الصلح، فقال المحافظ اذهب معهما، وسأتصل بمدير الأمن لإنهاء هذه المشكلة، المفاجأة أننا عندما وصلنا للقسم بدأت الأمور تتضح، وبدأ الاعتداء علينا بدنيا ونفسيا وكنا ثلاثة، وذلك من قبل ضباط ومخبرين بالقسم، مع التهديد بأنهم "سيدخلونا الجحور مرة أخري". سألته وأين ذهب المحافظ؟ أجاب التمساح: عندما احتجزنا في القسم لما يقرب من ساعة ونصف اتصلت به أكثر من مرة، وكانت إجابته أنه يتحدث إلي مدير الأمن، ونجح الأخير بالفعل في فك أسرنا، بعد أن ضربت علي رأسي بشدة، وكذلك تم سحل من معي. سألته: أعلم أنك مع المعتصمين حاليا في السويس، في أي مكان تعتصم، وما دوافع الاعتصام؟ أجاب صاحب دواوين: ( غياهب، حلم قزاز، عرض حال)، قبل حادث الاعتداء علينا في القسم، كانت مطالبنا هي مطالب ميدان التحرير ذاتها، ولكن بعد ما حدث أضفنا إليها المطالب التالية: أولا تنظيف محافظة السويس من القيادات الفاسدة، إقالة وزير الداخلية، إقالة مدير أمن السويس، إقالة مدير المباحث ومن قاموا بالاعتداء علينا، فضلا عن المطلب الرئيسي لكل شعب السويس، وهو إقامة محاكمة عادلة وناجزة ضد قتلة الثوار في السويس. سألته لماذا وأنت واحد من المثقفين تعترض علي حكم المحكمة بإخلاء سبيل الضباط المتهمين بقتل الثوار؟ أجاب: قد تكون ما تقوله صحيحاً أننا يجب أن نترك الحكم للقضاء، ولا أحد يختلف علي ذلك، ولكن من وجهة نظري أن مصر حكمت علي مدي ثلاثين عاما بقانون الطوارئ والمحاكم الاستثنائية التي حكمت علي الكثيرين بالسجن والإعدام، ألا يكون عادياً في مقابل كل ذلك، المطالبة بسرعة القصاص من قتلة الثوار، وعلي رأسهم الرئيس السابق حسني مبارك؟! لو كان الأمر بيدي لحكمت عليه بالإعدام فورا في ميدان التحرير، بحضور أسر الشهداء، حتي يبرد نارهم علي فلذات أكبادهم. سألته: سمعنا عن تهديدات من قبل المعتصمين وأنت واحد منهم، لوقف المجري الملاحي لقناة السويس، وقطع الطرق، هل أنت مع ذلك؟ كلنا ضد قطع المجري الملاحي، أو قطع الطرق، لكن السؤال له جانب آخر، من الذي أوصلنا إلي التهديد بذلك، هذا هو السؤال الذي يجب أن يطرح، فأنا والمعتصمون دخلنا في حالة إضراب عن الطعام، أليس ذلك ضررا بالنفس والجسد، وهل الطرق والخط الملاحي في هذه اللحظة، ستكون أعز من أنفسنا؟ إنني أتوجه من خلالك برسالة إلي الجميع: من فضلكم لا أحد يزايد علي وطنيتنا. سألته هل التشكيل الوزاري الجديد أرضاكم؟ أجاب لا نحن نرفض هذا التعديل ونستغرب من بقاء د. عصام شرف وسط هذا العبث. سألته : كيف تقضي يومك في الاعتصام؟ قال: أقضيه وسط الناس، نحن نتعرف علي بعضنا البعض ونتناقش، وأكتشف شباباً لديهم رؤية لبلدهم، ولا أستطيع أن أصف لك مشاعري من العبارات التي أسمعها، وفجأة نادي محمد التمساح علي أحد المعتصمين معه ليكلمني، وقال له قل الجملة التي قلتها لي من قبل، تحدث الشاب صالح خلاف وقال لي أنا من مواليد 1991، وأعمل في السويس منذ عشر سنوات، لم أشعر أنني بني آدم ونفسي عزيزة إلا هذه الأيام، التي نشكل فيها بلدنا علي قيم الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية. هذه الشعارات هي شعارات 25 يناير.. سألت التمساح ماذا كان المشهد في هذا اليوم في السويس؟ أجاب: ابنتي جهاد كانت متابعة لدعوة التظاهر يوم 25 يناير، التي انطلقت من الفيس بوك، وبالفعل كنت أنا وجهاد وإثنان أعتبرهما من تلامذتي، رجائي عبد الله وعلي أسامة، كنا نحن الأربعة أول من وصل لميدان الأربعين، وبعد قليل وصل عددنا إلي 15، وبدأنا في الهتاف منذ اللحظة الأولي: ( الشعب يريد إسقاط النظام)، (الكرامة.. الحرية.. العدالة الاجتماعية)، وسرنا في الشارع، وبدأ الناس يتفرجون علينا من علي الرصيف، وهنا قمت بتحفيزهم للمشاركة معنا لتحدث واقعة هي البطل الرئيسي لتزايد الأعداد، وذلك عندما سكب سائق سيارة ميكروباص البنزين علي نفسه، وكان بجانبه حكمدار السويس، فانطلق الناس لإنقاذ السائق، وبالفعل تم إنقاذ جسده لتشتعل الثورة، فقد خرجنا من هذا الشارع واقترب عددنا من ثلاثة آلاف شخص.. كسروا حاجز الخوف، من أجل مستقبل يليق بوطننا.