شكل رحيل المخرج المغربي محمد عهد بنسودة المفاجئ صدمة في الوسط الثقافي والسينمائي، ليس فقط لأنه غاب في لحظة كان فيها في أوج نضجه الفني، بل لأن مشروعه السينمائي ظل، حتى آخر أعماله، منفتحًا على الأسئلة الكبرى للمجتمع المغربي، ومشدودًا إلى هموم الإنسان اليومية في تقاطعها مع التحولات الاجتماعية والثقافية. لم يكن بنسودة مجرد صانع أفلام يطارد الأضواء، بل كان مثقفاً سينمائياً ومناضلاً فنياً، سخّر عدسته لتشريح قضايا المجتمع المغربي، مسار سينمائي متنوع ومتماسك. أنجز الراحل خلال مسيرته عددًا من الأفلام السينمائية التي رسّخت اسمه كأحد المخرجين الذين اشتغلوا على السينما بوصفها أداة فهم وتحليل، حيث تميز المشروع الفني لمحمد عهد بنسودة بقدرة فائقة على الموازنة بين التقليد والحداثة. لم ينفصل يوماً عن جذوره المغربية، بل كان يغوص في التراث ليخرج منه بقصص معاصرة تهم إنسان اليوم. يتجلى ذلك بوضوح في تنوع أعماله، منها: "موسم المشاوشة"، في هذا الفيلم، استطاع الراحل أن يحيي رياضة "المشاوشة" التراثية، مقدماً عملاً ملحمياً يربط بين القوة الجسدية والقيم الأخلاقية، في لوحة بصرية تعكس ثراء الثقافة المغربية وتاريخها العريق. "الشبح الراجع"، عكس قدرته على خوض غمار التشويق والدراما النفسية، مؤكداً تنوع أدواته الإخراجية وعدم حصره في قالب فني واحد. "خلف الأبواب المغلقة"، يُعد هذا الفيلم علامة فارقة في مساره، حيث اقتحم به تابوهات مسكوت عنها، مسلطاً الضوء على ظاهرة التحرش الجنسي في بيئة العمل، وهو العمل الذي لم يحقق نجاحاً جماهيرياً فحسب، بل حصد جوائز دولية وضعت السينما المغربية في قلب المحافل العالمية، إلى جانب إنتاجات تلفزيونية وأفلام وثائقية حملت بصمته الفنية الواضحة. تميزت هذه الأعمال بقدرتها على شق طريقها نحو مهرجانات وطنية ودولية، حيث حصدت عدة جوائز وتكريمات، وأسهمت في تعزيز حضور السينما المغربية على الساحة الدولية، ليس عبر ترسيخ الفلكلور أو التنميط، بل من خلال تقديم سرديات إنسانية صادقة، قابلة للتلقي الكوني دون أن تفقد جذورها المحلية. انشغلت سينما محمد عهد بنسودة بمناطق التوتر بين التقليد والحداثة، وهي ثنائية لا تُقدَّم في أفلامه بشكل تبسيطي أو صراعي مباشر، بل كحالة معيشة تتداخل فيها القيم، وتتشابك فيها المرجعيات. شخصياته غالبًا ما تقف في منطقة وسطى، لا تنتمي بالكامل إلى الماضي، ولا تنخرط بسهولة في الحاضر، وهو ما يمنح أفلامه بعدًا تأمليًا يتجاوز الحكاية المباشرة. من خلال هذا الاختيار، ساهم بنسودة في تقديم صورة متعددة الأبعاد عن الثقافة المغربية، صورة تعترف بتعقيدها، وتقاوم اختزالها في نماذج جاهزة، سواء للجمهور المحلي أو الدولي. يُعد اهتمام محمد عهد بنسودة بقضايا حقوق النساء من أبرز ملامح تجربته، حيث لم يكن هذا الاهتمام طارئًا أو شعاريًا، بل جزءًا من رؤيته الأخلاقية للسينما. يتجلى ذلك بوضوح في فيلمه "مطلقات الدار البيضاء" (2023)، الذي سلّط الضوء على معاناة النساء المطلقات في المغرب، كاشفًا عن الأبعاد الاجتماعية والنفسية والقانونية لهذه التجربة. تميز الفيلم بنبرة هادئة وبعيدة عن الاستغلال العاطفي، مقدّمًا شخصياته بوصفها ذوات فاعلة لا مجرد ضحايا، وهو ما يعكس وعي المخرج بأهمية أخلاقيات السرد عند تناول قضايا حساسة. لم يكن اهتمام بنسودة بقضايا المرأة مجرد "موضة" فنية، بل كان قناعة راسخة تجلت في أغلب أعماله. "مطلقات الدار البيضاء"، كان بمثابة "صرخة سينمائية" في وجه النظرة النمطية للمرأة المطلقة في المجتمع المغربي. من خلال هذا الفيلم، فكك بنسودة المعاناة النفسية والاجتماعية والقانونية التي تواجهها النساء، محاولاً بذكاء فني أن يدفع المجتمع نحو مراجعة أحكامه القاسية، ومؤكداً أن الفن هو الأداة الأقوى للدفاع عن الحقوق والحريات. إلى جانب السينما، تركت إنتاجاته التلفزيونية وأفلامه الوثائقية بصمة فنية لا تخطئها العين، حيث كان يحرص في كل لقطة على تقديم محتوى يحترم ذكاء المشاهد ويغني ثقافته البصرية. كان بنسودة يؤمن بأن المخرج هو "مؤرخ اللحظة"، ولذلك كانت أفلامه مرآة صادقة للتحولات الاجتماعية التي شهدها المغرب في العقود الأخيرة. برحيل محمد عهد بنسودة، تفقد السينما المغربية مخرجًا آمن بأن الصورة ليست للزينة، بل للمساءلة، وأن الفيلم ليس منتجًا استهلاكيًا، بل موقفًا فكريًا وإنسانيًا. رغم الغياب المفاجئ، تظل أعماله شاهدة على مشروع سينمائي اختار الاشتباك مع الواقع، لا الهروب منه، وعلى رؤية فنية ترى في السينما مساحة للإنصات، والاعتراف، وإعادة التفكير في المسكوت عنه. إن إرث محمد عهد بنسودة لا يُختزل في عدد الأفلام التي أنجزها، بل في الأسئلة التي تركها مفتوحة، وفي أثره الهادئ والعميق داخل مشهد سينمائي ما زال في حاجة إلى أصوات تشبهه.