قرأت فى اليوم السابع وغيرها من الصحف عشرات المقالات حول نتيجة الاستفتاء السويسرى بحظر بناء مآذن المساجد، ولى عدة ملاحظات أردت تسجيلها عما يحدث فى سويسرا والربط بينها وبين مصر: 1- مارس الشعب السويسرى أعلى درجات الديمقراطية فى شأن يراه داخليا، وهو الاستفتاء العام، ولا يمكن لأحد التشكيك فى حق الشعوب فى تنظيم حياتها كما تريد، لكن منطق دعوة الشعب للاستفتاء فى أمور تمثل تقييدا للحريات العامة هو خروج عن الهدف الأسمى لمثل هذه الاستفتاءات باعتبارها أرقى آلية ديمقراطية، لا يجب أن تلجأ إليها الشعوب إلا فى الحالات القصوى التى تستدعى التدخل الشعبى. 2- أخطأت الحكومة السويسرية من الأساس فى السماح بتنظيم هذا الاستفتاء، وكان عليها توعية مواطنيها بأنه لا يجوز تنظيم استفتاء يدعو لتقييد الحريات العامة بما فى ذلك حرية العقيدة وممارسة الشعائر، خاصة وأن مثل هذا الاستفتاء يتعارض مع الإعلان العالمى لحقوق الإنسان الذى وقعت عليه الدول الأوروبية، وأصبح جزءاً من دساتيرها، ولا يجوز تنظيم أو تشريع قوانين تتعارض معه. 3- إن المدافعين عن حق الشعوب فى تنظيم ما يرونه عبر استفتاء عام، قد أخطأوا لأن مثل هذه النوعية من الاستفتاءات فى الأمور الدينية تمنح الأغلبية الحق فى تقييد حرية الأقلية فى تنظيم شعائرها الدينية، وهنا أسأل من دافعوا عن هذا الاستفتاء، هل يقبلون أن ينظم استفتاء فى مصر حول بناء أبراج الكنائس من عدمه، وهل يقبلون إذا وافقت الأغلبية المسلمة فى مصر أو أى بلد إسلامى على حظر بناء أبراج الكنائس؟ 4- بعض من كتبوا حول هذا الموضوع أجروا مقارنات بين مصر وسويسرا، والبعض رأى أنه لا يوجد اختلاف بين منع بناء المآذن فى سويسرا باستفتاء شعبى، وبين تقييد بناء الكنائس فى مصر، منذ سنوات عديدة، سواء عبر الخط الهمايونى أو منح المحافظين صلاحية الموافقة على بناء الكنائس وترميمها.. وأعتقد أن المقارنة ليست فى محلها، صحيح أن بناء الكنائس فى مصر يتعرض لقيود، لكن لم يصدر قرار بمنع بنائها من الأساس. 5- ينبغى على مصر حسم قضية بناء الكنائس وترميمها باعتبارها أكبر قضية تثير جدلا وتؤدى إلى احتقان بين المسلمين والمسيحيين فى هذا البلد، وقد طرحت عدة اقتراحات فى هذا الصدد منها ضرورة إصدار قانون موحد لبناء دور العبادة ينظمها سواء للمساجد أو الكنائس، أو من خلال قانون موحد للبناء يضع شروطاً عادلة لبناء دور العبادة وفقا للتركيز السكانى لكل طائفة، وإن كنت أميل إلى قانون موحد لحسم هذه القضية الشائكة التى تفتح الباب أمام الشيطان لإشاعة الفتنة فى مصر. هذه خمس ملاحظات أساسية فى هذه القضية التى أثارت الغرب الأوروبى، قبل أن تغضب الشرق المسلم، وأعتقد أن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان ستلغى نتائج الاستفتاء السويسرى لأنه يتعارض مع المواثيق الأوروبية والدولية لحقوق الإنسان، وخاصة الحق فى ممارسة الشعائر الدينية، ويبقى أننا فى مصر نحتاج فعلاً إلى تنظيم هذه القضية قبل أن تستفحل مخاطرها وتتحول إلى فتنة يصعب التصدى لها.