غلوا السكر.. غلوا الزيت..بكره نبيع عفش البيت الحكومات المصرية المتعاقبة، لا تتقن حل المشكلات، لا تجيد أبجدية "البحث عن الحلول"، بقدر ما تتفنن في "إدارة الأزمة بالأزمة"، وتدرك جيدًا كيفية العمل على "تسكين المشكلات" وتجيش كل إمكانياتها لبقاء الوضع "تحت السيطرة"، متجاهلة أن الأمور في لحظات تخرج من نطاق السيطرة، وفى العادة، يحدث ما لا يحمد عقباه. وزارة التموين والتجارة الداخلية، واحدة من الكيانات التي يمكن القول إنها تنفذ حرفيا، ما تفكر فيه حكومات المحروسة، فبالنظر إلى ملف السلع الإستراتيجية، يتضح أن مصر تعانى نقصا كبيرا منها، خاصة التي يتم ربطها على البطاقات التموينية. ووفقًا لما كشفته مصادر داخل الوزارة يتضح أن مصر تستورد سنويا 97% من الزيت، وما بين 60 و62% من القمح وما بين 25 و30% من السكر، إلى جانب استيراد 100 ألف طن من الدواجن سنويًا و65% من اللحوم بكل أنواعها لسد الفجوة في الإنتاج المحلى. وللحد من أزمة ارتفاع السلع تلجأ "التموين" إلى صرفها على مقررات البطاقات التموينية وسط أخطاء في منظومة صرف السلع -كما تؤكد المصادر- وطرح سلع بأكثر من سعر مثل السكر، مع عدم قدرة الأجهزة الرقابية على ملاحقة مافيا التلاعب بالأسواق، والسيطرة على الممارسات الاحتكارية في السوق المحلية والاستحواذ على الاستيراد. وأوضحت المصادر أن القطاع الخاص يسيطر على ما يقرب من 75 إلى 80% من الناتج المحلى الإجمالى، وهو ما دفع الدكتور على مصيلحى، وزير التموين الحالى، إلى الاعتراف بأنه من الصعب تثبيت الأسعار، مشيرًا إلى أنه سيتم تكليف الشركات والمنتجين بكتابة السعر على المنتج لتحديد السعر لتاجر الجملة والمستهلك النهائى؛ لأن التسعيرة الجبرية عفى عليها الزمن. من جانبه قال المحاسب هشام كامل، المستشار بقطاع الرقابة والتوزيع بوزارة التموين: لا توجد خطة واضحة للتعامل مع أزمات الأسعار في الأسواق التي تعتمد على سياسة رد الفعل دون التنبؤ بهذه الأزمات من قبل الوزارة والتصدى لها بعيدا عن سياسة المسكنات، أضف إلى هذا غياب وجود سياسة تسويقية واضحة للسلع الإستراتيجية مثل الأرز الذي استولى عليه القطاع الخاص بعد إعلان الحكومة عن سعر متدنٍ دفع التجار إلى المضاربة وجمعوا المحصول من مزارعى الأرز وخرجت التموين "صفر اليدين" وتم تهريبه وتصديره للخارج وتجاوز الكيلو 10 جنيهات للأنواع الفاخرة. وفى سياق متصل قال الخبير الاقتصادى الدكتور علاء رزق، رئيس منتدى التنمية والسلام: زيادة معدلات التضخم والعجز في الموازنة العامة للدولة وعدم وضوح السياسة النقدية، ونقص المعروض من السلع الأساسية التي يتم استيرادها من الخارج، مع تحرير سعر الصرف وضعف آليات الرقابة، وعدم تفعيل القوانين الحاكمة للأسواق ووجود ممارسات احتكارية، جميعها أسباب ترتب عليها ارتفاع الأسعار في وقت تراجعت فيه قيمة الجنيه إلى 50 قرشًا، إلى جانب عدم القدرة على توفير السلع الغذائية لنقص المعروض وزيادة الطلب يفتح باب الاستيراد بالدولار. وشدد "رزق" على أنه لا بد من حلول عاجلة للخروج من مستنقع لهيب الأسعار من خلال حزمة من الإصلاحات منها خفض عجز الموازنة وزيادة معدلات الإنتاج الزراعى والصناعى وتشجيع الاستثمار المباشر وغير المباشر لتوفير فرص عمل وزيادة القدرة الشرائية للجنيه مع إعادة النظر في الدخول الثابتة والتوسع في برامج الحماية الاجتماعية وتفعيل قانون الاحتكار لتحقيق المنافسة بين المنتجين تؤدى إلى خفض الأسعار. من جهته قال رأفت القاضى، رئيس فرع الاتحاد العام لمفتشى التموين والتجارة الداخلية بالقاهرة: ارتفاع الأسعار مسئولية مشتركة للحكومة بأسرها، كون أن "التموين" وزارة لا تنتج شيئا، لكنها تراقب السلع وتوزعها من خلال منظومة الدعم، بجانب رقابة الأسواق التي تخطت قدراتها لعدم توافر العناصر الكافية من المفتشين ونقص الإمكانيات المادية للرقابة، كما أن القوانين التي تحكم منظومة التموين لا تزال عاجزة عن تحقيق الردع، ومنها ما يتم العمل به من عهد الملك فاروق مثل القانون رقم 95 لسنة 1945 والقانون رقم 165 لسنة 11950 والغرامات فيه هزيلة، إذا ما تم قياسها بالمكاسب غير القانونية التي يحققها للتجار الجشعين وأباطرة الاحتكار. وأضاف: الدولة لا تتحكم في أسعار السلع التي يتم استيرادها، كما أن الإنتاج الزراعى والحيوانى والداجنى لا يغطى جميع متطلبات المصريين، ليكون الاستيراد الذي يتطلب الدولار بعد تحرير سعر الصرف هو أداة الاستيراد وسط زيادة في هامش الربح لبعض السلع تتراوح بين 100 و200%، والرقابة لا تتدخل لكونها آليات السوق الحرة التي لا تعرف التسعيرة الجبرية، كما أن الاقتصاد المصرى يعانى أزمة في توزيع السلع المعدمة التي يتم تهريب جزء كبير منها إلى السوق السوداء، خاصة من الدقيق والسكر واللحوم والدواجن، وهو ما يتسبب في زيادة الأسعار.