أثارت تصريحات الدكتور أحمد عماد الدين، وزير الصحة والسكان أمس الثلاثاء مع الإعلامي عمرو أديب على قناة «ON TV» عن رواتب الأطباء الجامعيين الذين يجري التعاقد معهم لتنفيذ المنظومة الصحية الجديدة للتأمين الصحي، والتي تبدأ أولى محطاتها في محافظة بورسعيد مطلع يوليو القادم كثيرًا من علامات الاستفهام بشأن حقيقة الإصلاح الصحي وتطوير الخدمة الطبية في المستشفيات العامة في ظل النقص الحاد والمستمر في المستلزمات والأدوية التي تجاوزت قوائمها 1700 صنف بينها 250 صنفًا دون بديل ما يهدد صحة آلاف المصريين. تطرق الحديث الإعلامي أيضًا إلى برامج إصلاح وتأهيل المستشفيات والوحدات الصحية بكافة أنحاء الجمهورية ونجاح خطة الحكومة في القضاء على فيرس سي، وإنفاق ما يقرب من 13 مليار جنيه على تطوير وإنشاء المستشفيات خلال ال3 سنوات الماضية وتعديل الهيكل الإداري ورواتب الأطباء الذين يجري التعاقد معهم من الجامعات المصرية لتنفيذ منظومة التأمين الصحي الجديدة والتي تبلغ رواتبهم 1400 جنيه يوميًا للطبيب الواحد، نظير إجراء من 5 إلى 6 عمليات جراحية في اليوم الواحد داخل تلك المستشفيات. https://www.facebook.com/kollyomshow/videos/1873262872683836/ تصريحات وزير الصحة الأخيرة بشأن وضع المواطن المصري الذي سيتم علاجه بعد 4 أشهر في مستشفيات مصرية تضاهي المستشفيات العالمية، ولن تقل جودتها عن جودة المراكز الطبية والمستشفيات حول العالم، بل وتفوقها أحيانًا في الخدمة الطبية أثارت تساؤلات عدّة حول مدى جدية تلك التصريحات، وما إذا كانت مجرد تصريحات إعلامية تتنافى مع حقيقة أوضاع الأطباء والوضع الصحي داخل المستشفيات الحكومية وإمكانية تنفيذها على أرض الواقع والآليات والمخصصات المالية المطلوبة لذلك وكم تستغرق من سنوات؟ وضع مأساوي تساؤلات عدّة طرحتها «التحرير» على عدد من الأطباء والمختصين وأساتذة الرعاية والسياسات الصحية داخل مصر وخارجها لمعرفة ما إذا كانت أزمات المنظومة الصحية تنتهي عبر تصريحات وزارية، أم أن القضية أكبر من ذلك في ظل الضعف الحاد في الميزانية المخصصة للإنفاق الصحي والإمكانيات والنقص الحاد في أسرّة العناية المركزة والحضانات في غرف الاستقبال والطوارئ بالمستشفيات والتي تتحول باستمرار إلى ساحات لمعارك أعضاء الفريق الطبي والمرضى وذويهم. كما أن النقص الحاد بالمستلزمات الطبية والأدوية التي ارتفعت أسعارها مرتين لا يواجه بالصراحة الواجبة من قبل المسئولين، ما يُعرض الأطباء وطاقم التمريض لمواجهة عقوبات قانونية تهدد مصيرهم بالحبس الاحتياطي سواء قاموا بكتابة المستلزمات للمرضى من خارج المستشفى أو امتنعوا عن كتابتها.. كل هذا مع ضعف الرواتب يجعل العمل بالطب في مصر مأزقًا يدفع شباب الأطباء للهرب منه سواء بالهجرة خارج البلاد أو ترك العمل بمهنة الطب حتى أصبحت مصر في ترتيب متقدم بين دول العالم الطاردة للأطباء. من هنا يبدأ الإصلاح؟ سلسلة من الإجراءات التي لن تتعدى تكلفتها من 2 إلى 3 مليارات جنيه في العام حسب الخبراء والمختصين كعامل تحفيزي للأطباء من أجل تحسين أوضاعهم والأوضاع داخل الوحدات الصحية، وفي الوقت ذاته ستمكن من علاج حوالي 80% من المرضى، فضلًا عن التحسن الكبير الذي ستحدثه المتابعة المنتظمة والعلاج لحالات الضغط والسكر بشكل منتظم، حتى لا تتكرر المواجهات والاشتباكات الحادة مع المرضى وذويهم وقت الأزمات ممن يبحثون عن سرير عناية مركزة غير موجود أو أدوية محلية أو مستوردة ناقصة تهدد صحة آلاف المصريين. وسط كل هذه الأزمات المتلاحقة التي تعاني منها المنظومة الصحية في مصر.. يبقى التساؤل الأهم، من أين نبدأ إذا كنا نريد أن نصل لحل في ضوء تلك الإمكانيات المادية الضعيفة التي ستظل أداة ضغط قوية على أي محاولات فردية للإصلاح الصحي في مصر. طب الأسرة تطوير «وحدات الرعاية الصحية الأولية» مقترح من الدكتورة منى مينا، وكيل نقابة الأطباء لبدء الإصلاح، فالعلم الحديث والدراسات، يؤكدان أن وحدات الرعاية الصحية الأولية المزودة بطبيب مؤهل جيدًا وبقائمة الأدوية الأساسية لعلاج الأمراض المفترض علاجها في المستوى الأول تستطيع أن تعالج 75-80% من المرضى، ولنتذكر أنه لحسن الحظ قائمة الأدوية اللازمة في هذا المستوى أدوية محدودة ومعروفة وليست باهظة التكلفة، ونحن هنا بعيدين تمامًا عن أدوية الأورام وأدوية إذابة الجلطات الحديثة باهظة الثمن، ومن السهل أن نعد قائمة بهذه الأدوية ونُسند إنتاجها لشركات الأدوية الوطنية بعد أن نحدد تكلفتها، ونعطي للشركات هامش ربح معقولا لإنتاجها حتى ننقذ هذه الشركات من الانهيار الذي تعاني منه ونوفر علاج 80% من المرضى المصريين بتكلفة قليلة. مينا أكدت عبارة «طبيب مؤهل جيدا» الذي تحتاج إليه خطة التطوير لجيش من أطباء الأسرة جيدي التدريب والقابلين للعمل في الوحدات الصحية، وهو ليس بالأمر الصعب أو المستحيل في حالة فتح باب الالتحاق بزمالة طب الأسرة لكل أطباء التكليف، ومن يرغب من الأطباء الممارسين العموميين، ولكن يبقى سؤال هام تطرحه مينا: كيف نجذب الأطباء لهذا التخصص؟ تقترح وكيل نقابة الأطباء لتحقيق ذلك صرف بدل ندرة للطبيب الملتحق بزمالة طب الأسرة حتى وهو ما زال في مرحلة التدريب (بالإضافة للراتب الحالي) لا يقل عن 2000 جنيه يزداد إلى 4000 جنيه عند الحصول على الزمالة، لمن يعمل بالقاهرة والمناطق الحضرية ويزداد تدريجيا كلما اتجهنا للمناطق الريفية البعيدة عن سكان الحضر حتى يصل إلى 6000 جنية شهريا لمن يعمل بالمناطق النائية والمحرومة من الخدمة، مع توفير سكن محترم وصالح لأن يستقر الطبيب به فوق الوحدة الصحية في تلك المناطق السكنية. تستطرد مينا، عبارة «سكن محترم» والذي تتوافر به المياه والكهرباء وبه كافة الأجهزة الأساسية (ثلاجة وبوتاجاز وسخان وكمبيوتر ومروحة ويضاف إليهم تكييف في محافظاتجنوب الصعيد وجنوبالبحر الأحمر)، وهذه العوامل كلها ستدفع الكثير من الأطباء للإقبال على العمل والاستقرار في هذه الوحدات الصحية التي تعد عماد العمل في المنظومة الصحية. عجز في الفريق الطبي كما يتبقى أمر آخر حسب مينا يتمثل في أن الأطباء في فترة التدريب سيكون من الضروري ربطهم بعلاقة قوية بأقرب مستشفى مركزي أو عام ثم تعليمي أو جامعي (وذلك عن طريق محاضرات وأيام تدريب) وذلك كجزء من البرنامج التدريبي للأطباء، هذه المستشفيات هي جهات الإحالة التي سيحيل طبيب الأسرة لها كافة الحالات المعقدة أو التي لن تستجيب للعلاج في مستوى الرعاية الصحية الأولية لذلك من الضروري أن يكون طبيب الأسرة مرتبطًا بها سواء في فترة برنامج الزمالة أو أثناء عمله بعد ذلك. الإشكالية الكبرى هنا أن الطبيب الذي لا يستمر في العمل الحكومي أقل من 3 سنوات بعد الحصول على زمالة «طب الأسرة» سيكون مطالبا برد تكلفة دراسته في الزمالة، بالإضافة لحافز التميز الذي صرف له خصيصا لزيادة أعداد الأطباء في هذا التخصص "وفقًا لمنى مينا". وتعد الحكومة بجودة الخدمة الطبية عبر منظومة التأمين الصحي الجديدة عن طريق تشكيل هيئة للرقابة والاعتماد تتقاضى أجرا من المستشفيات الحكومية لكى تعطيها شهادات الجودة، يقول الدكتور محمد حسن خليل، منسق لجنة الدفاع عن الحق في الصحة إن مهمتها رفع مستوى الجودة للمستشفيات العامة باعتبارها مهمتها، وليس بحرمان المستشفيات بعد ثلاث سنوات من الجودة لكى لا يكون هناك حل لها سوى خصخصتها دون أن تعالج المشاكل الجوهرية للخدمة الصحية فى مصر. الالتزام بالدستور كما طالب خليل في تصريحات خاصة الحكومة المصرية الالتزام بالمادة 18 من الدستور بألا يقل الإنفاق الصحى عن 3% من الناتج القومي الإجمالي وهي في هذا العام 1.9% فقط من إجمالي الناتج القومي (تزداد تدريجيا لتصل إلى المعدالت العالمية وهى تدور حول 6%، مع توفير بند تمويل بناء الأصول ببناء مستشفيات جديدة وترميم المنشآت الأخرى القابلة للترميم للقضاء على عجز أسرة المستشفيات البالغ 43%، وتوفير هيكل أجور عادل للأطباء لحل مشكلة العجز فيها البالغ نسبته 30% وهيكل أجور عادل للممرضات الذين يبلغ العجز فيهم 55%). وطالب بضرورة تعميم التأمين الصحى الاجتماعي الشامل على كل المصريين مع توحيد الهيكل الحكومي المصري فى هيكل تأمينى واحد غير ربحي، وقال: "أرفض كل محاولات الخصخصة للهيكل الحكومى الحالى سواء بالبيع أو بالمشاركة مع القطاع الخاص، وهو ما يعني زيادة تكلفة التأمين الصحى بإضافة نسبة الربح إليه، ونظرًا لمشاكل تمويل التأمين الصحى فى مصر فإنه من العبث الحديث عن بيع جزء منه للإنفاق على الباقى، حيث إننا نحتاج إلى ما هو أكثر من الهيكل الموجود، وتقتضى الكفاءة الاقتصادية أن يتحمل التأمين الصحى تكلفة علاج المواطنين واللجوء إلى القطاع الخاص وخدماته محملة بالربح فى الحدود التى تقتضيها الضرورة وبتعاقدات نزيهة وشفافة مع الحرص على أن يظل الهيكل الأساسي هيكلا حكوميا غير ربحى. نقص التمويل في ظل النقص الحاد في تمويل الخدمات الصحية بمعرفة الحكومة أو مساهمات المنتفعين بالتأمين الصحي ومساهمة أصحاب العمل يقول الدكتور سمير بانوب، الخبير المصري في منظمة الصحة العالمية وأستاذ الرعاية الصحية حول العالم إنه يستحيل النهوض بالمنظومة الصحية المصرية، في ظل تدني نسبة الإنفاق على الصحة المخصصة من الموازنة العامة للدولة والتي لا تتعدى 3% من الناتج القومي علمًا بأن النسب السائدة عالميًا في هذا القطاع الحيوي تتراوح من 8-10٪ من الدخل القومي أو 15-25٪ من ميزانية الدولة أو 12 - 15% من أجر العامل الذي يتحمل ما لا يزيد على ربع أو ثلث القسط، والباقي يتحمله صاحب العمل ولا يتحمل المنتفع بعد ذلك إلا رسومًا اسمية رمزية لا تحول دون تلقي الخدمة. «مصر تحتاج إلى إصلاح شامل للقطاع الصحي وليس فقط إلى قانون للتأمين الصحي».. عبارة دومًا ما يكررها بانوب، الذي أكد أنه لا مجال لنجاح أي محاولات إذا لم يتم تخطيط وتنفيذ برنامج شامل للإصلاح الصحي يطبق في وزارات الصحة والسكان والتعليم العالي والتضامن الاجتماعي والبيئة والإسكان والمرافق والمالية والتخطيط والقطاع الخاص والأدوية والأغذية. يأتي ذلك عبر خطة طويلة المدى حسب بانوب، للاحتياجات وتطوير قوة العمل الصحية والمستشفيات والمرافق الصحية لكل محافظة مع تعديل كادر الأطباء ليتقاضي الطبيب حديث التخرج في مرافق الحكومة من 2- 3 أضعاف خريج الجامعة العادي، كما هو سائد في كل الدول الناجحة، وبالتالي يعدل رواتب الإخصائيين والاستشاريين طبقًا للمؤهلات والخبرة والأداء وساعات العمل، مع تفرغهم التام عدا الاستشاريين والأساتذة في غير ساعات العمل وبتنظيم محكم وتحريم الممارسة المزدوجة أو تحويل المرضي من القطاع العام للخاص أو تقاضي عمولات أو إكراميات ورشاوي بأي صورة داخل القطاع العام.