ظل الكثيرون يعتبرون ما يتردد حول العلاقات الخفية بين الكيان الصهيونى والنظام السعودى، مجرد تحليلات لا علاقة لها بالواقع، بل وتعامل معها البعض باعتبارها خيالات تتعمد الإساءة للنظام الحاكم فى السعودية، ورغم ما نشر مرارا حول لقاءات سرية بين مسئولين من الجانبين، بما فى ذلك ما تردد عن لقاء جمع ولى ولى العهد السعودى محمد بن سلمان نفسه مع مسئولين كبار من دولة الاحتلال الصهيونى فى الأردن فى شهر أبريل الماضى، بعد مغادرته القاهرة أثناء زيارة والده الملك سلمان لمصر، وهو اللقاء الذى نشرت عنه تقارير متعددة لكن لم يجرى تأكيد ولا نفى لها، لكن يأتى اللقاء الأخير الذى جرى بين اللواء أنور عشقى المسئول السابق بالاستخبارات السعودية وبين عدد من المسئولين الصهاينة على رأسهم دورى جولد المدير العام بالخارجية الصهيونية، ليمثل تأكيدا قاطعا على المسار الذى تتخذه العلاقات السعودية الصهيونية خلال السنوات الأخيرة. (1) لم تكن مصادفة أبدا فى اعتقادنا أن تتواتر الأنباء حول لقاء محمد بن سلمان مع مسئولين صهاينة بالتزامن مع إعلان اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر والسعودية فى أبريل الماضى، وكان لافتا للغاية أن تتزامن تلك الأنباء مع مانشيت جريدة الأهرام الشهير حول خطاب سعودى من بن سلمان، يؤكد فيه انتقال كافة التزامات مصر بخصوص الجزيرتين فى معاهدة السلام مع الكيان الصهيونى إلى المملكة العربية السعودية.. كما لا تبدو مصادفة أبدا أن يجرى اللقاء الأخير بين عشقى وجولد، والذى امتد أيضا ليشمل لقاءات بين أعضاء وفد من الأكاديميين ورجال الأعمال السعوديين مع مسئولين آخرين من الكيان الصهيونى وبينهم برلمانيين، فى ظل محاولات دفع عملية السلام بين الفلسطينيين والصهاينة، والزيارة الأخيرة من سامح شكرى للقاء نتنياهو ، تفعيلا لنداء السلام الدافئ الذى أطلقه السيسى.. وهو كله مما يؤكد أن الجهود جارية على قدم وساق لتطبيع العلاقات العربية الصهيونية بشكل عام وأن السعودية طرف رئيسى وفاعل ومحورى فى هذه الترتيبات كلها.
(2) لم يستطع أنور عشقى، أن يصمد كثيرا فى محاولات نفى لقائه مع المسئولين الصهاينة، وبعد أن كان يبرر زيارته بأنها فى إطار دعوة فلسطينية وليست إسرائيلية، للوقوف على أوضاع المعتقلين الفلسطينيين وزيارة أسر الشهداء، لكن التصريحات الرسمية من الطرف الصهيونى ونشر صور وتقارير مفصلة حول اللقاءات التى جرت، لم تدع أمام الرجل مجالا للاستمرار فى النفى، فجاءت تصريحاته الأخير لتعيد التأكيد على ما كان يقدمه كنفى، لكن مع إضافة أنه بالفعل التقى نواب من الكنيست ومع دورى جولد مدير عام الخارجية الصهيونية، لكن بشكل شخصى لا رسمى وبصفته البحثية والأكاديمية، ومضيفا بأن الجهات الرسمية السعودية لم يكن لديها علم مسبق بالزيارة واللقاءات. صحيح أن اللقاء بين عشقى وجولد ليس الأول من نوعه، فقد سبق أن أكدت تقارير صحفية وإعلامية حدوث لقاءات بينهم آخرها العام الماضى فى واشنطن، وهو نفس ما تؤكده مصادر صهيونية متعددة فى تقارير تنشر فى صحفهم وما أكده كذلك عشقى فى تصريحاته الأخيرة، وصحيح أيضا أن عشقى ليس مسئولا رسميا حاليا فى السعودية رغم علاقته المعروفة بدوائر صناعة القرار فى المملكة والمواقع المهمة التى سبق له شغلها رسميا، سواء فى الاستخبارات السعودية أو كمستشار للأمير بندر بن سلطان سفير السعودية السابق فى أمريكا، إلا أنه لا يمكن لعاقل أن يتصور أن هذه اللقاءات قد جرت دون علم مسبق من الجانبين السعودى والإسرائيلى، كما لا يمكن التجاوز عن التصريحات التى جاءت تعليقا على هذا اللقاء من عيساوى فريج عضو الكنيست عن حزب ميريتس، ببدء البحث فى ترتيب زيارة لوفد من أعضاء المعارضة فى الكنيست إلى السعودية، والإشارة لأن هذا الوفد قد يتشكل من النواب العرب فى الكنيست، بما قد يمثل مدخلا مناسبا للطرفين السعودى والصهيونى لبداية اللقاءات الرسمية المتبادلة وزيارة وفد إسرائيلى لأول مرة فى السعودية.. ورغم ما يبدو من صعوبة هذا الإحتمال ، وعدم التعليق عليه رسميا حتى الآن من جانب حكومتى الطرفين ، إلا أن الترتيبات الجارية فى المنطقة وتطوراتها قد تشير بوضوح إلى أن ما نتصور أنه بعيد عن الواقع قد يصبح خبرا معلنا فى وقت ليس ببعيد.
(3) المصالح السعودية الصهيونية المشتركة فى ظل أجندة الطرفين، والرؤى المشتركة بينهم فى ظل الأوضاع الإقليمية الحالية، من خصومة وعداء مع إيران وعدم ارتياح للمواقف الأمريكية فى السنوات الأخيرة، والمخاطر التى قد تمثلها تنظيمات الإرهاب بالذات داعش على كلا منهما رغم تاريخ طويل ومسبق من العلاقات والأفكار المغذية للتطرف، فضلا عن الموقف المعروف للدولتين من نظام بشار الأسد والملف السورى رغم تفاوت درجات الانغماس فيه والتعبير عنه، كل هذا وغيره من مؤشرات على تقارب المواقف والرؤى بما فى ذلك المصالحة الأخيرة بين إسرائيل وتركيا، تؤكد أن التوجه نحو بناء علاقات سعودية صهيونية تمر عبر مراحل متعددة لتطوير وتطبيع العلاقات هو أمر جاد ويجرى العمل عليه، وسيظل مرتبطا بمحاولات تسوية القضية الفلسطينية والوصول لإتفاق ينهى هذه المسألة كى يصبح التطبيع علنيا ومبررا أمام الرأى العام.. وربما لا يكون مفاجئا أن نسمع لاحقا أن ملف العلاقات السعودية الصهيونية قد يكون واحدا من الملفات التى تناولها محمد بن سلمان خلال زيارته السابقة المطولة للولايات المتحدة التى بدت أقرب لزيارة اعتماد أوراقه وملفه كمرشح لتولى الحكم فى السعودية فى مدى زمنى قريب، وربما تكون تلك العلاقات المرتقبة بين السعودية والكيان الصهيونى أحد أوراق الاعتماد الرئيسية له من الطرف الأمريكى والغرب بشكل عام.
(4) رغم أن النظام المصرى هو من أعلن على لسان السيسى عن الدعوة إلى (السلام الدافئ) ومؤداه عمليا تطبيع كامل للعلاقات مع الكيان الصهيونى من كافة الدول العربية فى مقابل إنهاء القضية الفلسطينية ، لكن الإستناد الرئيسى فى هذا الحديث لا يعود فقط للمنهج الساداتى المهيمن على تفكير السلطة فى مصر، بل هو راجع كذلك للمبادرة العربية التى كان أول من أطلقها ودعا إليها هى المملكة العربية السعودية قبل تبنى القمة العربية لها واعتبارها أحد مرجعيات التسوية المرتقبة للقضية الفلسطينية.. ورغم الموات الذى جرى على مدار السنوات الماضية لملف السلام الإسرائيلى الفلسطينى، إلا أن العودة له الآن بهذا الحماس والتكثيف، ليس مجرد رغبة مصرية، وليس مجرد توجه دولى فى ظل التغيرات التى تشهدها المنطقة، بل هو فى رأينا بالأساس توجه سعودى ضمن ترتيبات إعادة تشكيل المنطقة وتحالفاتها، وفى ظننا فإن مسألة جزيرتى تيران وصنافير هى واحدة من تلك المداخل التى يمكن من خلالها إيجاد شكل تمهيدى ولو غير مباشر من العلاقات السعودية الصهيونية، والهدف باختصار هو أن تكون هناك قيادة جديدة للمنطقة على رأسها السعودية وبشراكة وتفاهم مع الكيان الصهيونى، وربما بأدوار لمصر وتركيا كذلك، وفى ظل الضغوط والوساطات الدائمة والمستمرة من الجانب السعودى لإتمام ما يسمى بالمصالحة بين مصر وقطر من ناحية ومصر وتركيا من ناحية أخرى، وهى كلها أمور تبدو مهمة فى التصور السعودى لإعادة تشكيل التحالف الذى يقود ويدير المنطقة فى المرحلة المقبلة وفى مواجهة العدو الإيرانى بحسب رؤيتهم.. لكن يبقى أيضا أهمية نسج علاقات مباشرة بين السعودية وإسرائيل، من خلال الزيارات غير الرسمية واللقاءات غير المعلنة، لذا فإن مسألة الوساطات القطرية وغيرها على سبيل المثال فى ملف المصالحة الفلسطينية، ومحاولات سحب أدوار كانت مصر تقوم بها دائما فى قضية الصراع العربى الصهيونى، تبدو واحدة من التوجهات السعودية التى لن تسمح بوجود مصر كوسيط وحيد دائم فى كل ما يتعلق بالعلاقات مع إسرائيل، خاصة فى ظل خلافات حتى وإن كانت مكتومة وخفية فى عدة ملفات فهى قائمة وقد تتطور فى المستقبل. السلطة الحالية إذا فى مصر لا تقوم فقط بدور يستعيد خطايا السادات ومن بعده مبارك فى القضية الفلسطينية، ولا تتجاوز فقط كل الخطوط الحمراء فى طبيعة العلاقات المصرية الصهيونية رغم توقيع ما يسمى باتفاقية السلام منذ 1979، بل هى فيما يبدو تتحرك فى مسار يكتب لمصر نهاية أى أدوار لها ليس فقط فى القضية الفلسطينية بل كذلك فى عموم قضايا المنطقة بشكل عام، وتمهد لتسليمها راضية صاغرة للأخ السعودى الأكبر تحت قيادة النجل السعودى الأصغر، وربما أن نتذكر تصريحات لرئيس الجمهورية ووزير الخارجية حول عدم سعى مصر لدور رائد ولا قائد فى المنطقة تبدو دالة وكاشفة وتتضح أبعادها يوما بعد الآخر!