في التاريخ لا شيء يستمر أو يدوم. في الأرجنتين، وفنزويلا، وأميركا اللاتينية كذلك، فالقارة التي تمثل معقل اليسار فى العالم، أصيبت بطعنات كبيرة في الىوناة الأخيرة، فحسر مرشح اليسار المعوم من الرئيسة السابقة كريستينا كيرشنر، لصالح مرشح يمين الوسط ماوريسيو ماكري، وخسر الحزب الحاكم في فنزويلا الانتخابات التشريعية لصالح المعارضة المدعومة من الولاياتالمتحدة، وتتعرض رئيسة البررازيل لضغوط اقتصادية كبيرة، وهو ما يمثل صحوة لليمين داخل معقل القوى اليسارية الرئيسي. ماوريسيو ماكري يفوز في الأرجنتين ففي نهاية الشهر الماضي، انتخب مرشح اليمنين المحافظ ماوريسيو ماكري رئيسا للأرجنتين، بعد حصوله في الدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية، على 54% من الأصوات مقابل 46% لمنافسه مرشح اليسار والسلطة دانيال سيولي. وبهذا، يكون ماكري (56 عاما) رئيس بلدية بوينيس أيرس والرئيس السابق لنادي بوكا جونيورز لكرة القدم حقق فوزا كبيرا على دانيال سيولي، البيروني المعتدل ومرشح تحالف اليسار والمدعوم من الرئيسة المنتهية ولايتها كريستينا كيرشنر. وبهذا الاقتراع التاريخي تطوي الأرجنتين صفحة حكم آل كيرشنر الذي استمر 12 عاما بدءا بنستور كيرشنر (2003-2007) ثم زوجته كريستينا التي خلفته في الرئاسة. ولم تتمكن كيرشنر التي ترأس البلاد -ثالث أكبر اقتصاد في أميركا اللاتينية- منذ العام 2007، من الترشح لهذه الانتخابات لأن الدستور يمنع الترشح لولاية ثالثة على التوالي. وينص قانون الانتخابات الأرجنتيني على أن الفوز بالرئاسة في الجولة الأولى يتطلب حصول أحد المرشحين على أكثر من 45% من الأصوات، أو أكثر من 40% بفارق عشر نقاط مئوية على الأقل عن أقرب منافسيه، وهو ما لم يتحقق لأي من المرشحين. ومنذ العام 1973 اعتمدت الأرجنتين نظام الدورتين في الانتخابات الرئاسية، لكن الاستحقاقات السبعة التي نظمت منذ ذلك الإصلاح حسمت في الجولة الأولى. خسارة الحزب الاشتراكي في فنزويلا وفي فنزويلا، تمكنت المعارضة من هز صورة الحزب الاشتراكي الحاكم، وذلك بعد أن فازت بالغالبية النيابية لأول مرة منذ 16 عاما، حسب ما أعلن المجلس الوطني الانتخابي، يوم 7 ديسمبر الحالي. وأظهرت نتائج الانتخابات البرلمانية، أن الاشتراكيين تعرضوا لأول هزيمة لهم في مجلس النواب، منذ أن تولي مؤسس حركتهم الرئيس الراحل، هوجو تشافيز، الحكم عام 1999. وأعلنت رئيسة المجلس الوطني الانتخابي، تيبيساي لوثينا، أن ائتلاف المعارضة "طاولة الوحدة الديموقراطية" حصل على 99 مقعدا أي غالبية 61 بالمئة. في المقابل، حصل حزب "فنزويلا الاشتراكي الموحد" بزعامة الرئيس نيكولاس مادورو على 46 مقعدا. وكان مادورو قال في كلمة تلفزيونية، في إقرار للهزيمة بعد إعلان النتائج، "جئنا بأخلاقياتنا وأدبياتنا للاعتراف بهذه النتائج، وقبولها ولنقول لفنزويلا أن الدستور والديموقراطية انتصرا". ضغوط على رئيسة البرازيل وقد ينعكس فوز اليمين الأرجنتيني علی الجارة البرازيل، والتي يضغط شعبها بقوة علی الرئيسة روسيف، بفعل فضيحة شركة "بتروبراس" النفطية الوطنية، والتي ترأس روسيف مجلس إدارتها، بحكم كونها رئيسة البلاد. وأظهرت الفضيحة تورط شركاء كثر فيها في عمليات تبييض أموال وتحقيق أرباح خيالية من تعهّدات بناء بعض المنشآت، وأبرزها ملاعب كرة القدم لكأس العالم 2014، التي جرت في البرازيل. التقارب الكوبي الأمريكي وفي بداية العام الحالي حصل تقارب في وجهات النظر بين كوبا الشيوعية، وعدوتها التاريخية الولاياتالمتحدة، وتم تبادل فتح السفارات وعودة العلاقات الدبلوماسية، وهو ما يوحي بمقدمات انفتاح في سياسات الدولة الشيوعية. وقد كانت شخصية تشافيز الشعبوية، مصدر حراك يساري شامل في أميركا اللاتينية، سمحت بوصول شخصيات مثل إيفو موراليس في بوليفيا، وديلما روسيف في البرازيل، وآل كيرشنر في الأرجنتين، واستمدّ قوته من حاجة شعوب تلك البلدان إلى قائدٍ من صفوفها، وإلى معاداته الولاياتالمتحدة، لكن ليس تشافيز وحده من ساهم بنهضة اليسار في العقل الجماعي لشعوب تؤمن بأفكار إرنستو تشي جيفارا، إذ عزّز وصول الأسقف الأرجنتيني خورخي ماريو بيرجوجليو إلى سدة البابوية في الفاتيكان، وحمله اسم البابا فرنسيس، آمال "اليسار المسيحي" المتجلّي في "لاهوت التحرير". اختبارت قادمة ويخوض اليسار امتحانات صعبة في الفترة القادمة، فإن إيفو موراليس في بوليفيا، تنتظره انتخابات رئاسية في عام 2019، وخوان مانويل سانتوس في كولومبيا في عام 2018، ورافايل كوريّا في الإكوادور في عام 2017، وأويّانتا هومالا في البيرو، في عام 2016، وهوراسيو كارتيس في الباراجواي في عام 2018، وتاباريه فاسكيز في الأوروجواي في عام 2019، وميشيل باشيليه في تشيلي في عام 2017. وحدهما الرئيسين الكولومبي والباراجوياني يمينيان، وباقي الرؤساء هم يساريو الهوى. وقد تسمح التغيّرات بتقدّم الليبراليين في أميركا اللاتينية، في صورة منقحة عن اليمين الأوروبي. يبقى الفارق في أن صعود اليمين في القارة العجوز نابع من أسباب قومية وإثنية وحتی دينية أحياناً، بينما يأتي صعود اليمين الأميركي اللاتيني في ظل مصاعب اقتصادية تشهدها بلدانه.